تقرير ندوة ” أية سياسة تونسية ممكنة تجاه الوضع في ليبيا؟”

  • image
  • image
  • image
  • image
  • image
  • image
  • image

انعقد يوم الجمعة 27 ديسمبر 2019، بتونس،ندوة ” أية سياسة تونسية ممكنة تجاه الوضع في ليبيا؟” عقدها كل من المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات. تونس و مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب العربي.
و بعد أن رحب كل من السيد مهدي مبروك (مدير المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات. تونس) و السيد عدنان المنصر( مدير مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب العربي) بالحضور و المشاركين تولى السيد طارق الكحلاوي (جامعي) تسيير أشغال الندوة و أطر محاورها ضمن التساؤلات التالية:
• كيف يمكن أن تساهم تونس في إدارة الملف الليبي؟
• كيف يرى الليبيون تونس من زوايا مختلفة؟
• ماهي علاقة مختلف النخب و الأطراف الفاعلة الليبية مع السلطات التونسية ؟
بعد طرحه لهذه الأسئلة فتح السيد طارق باب المداخلات:
• مداخلة عبد الله عثمان(أستاذ النظريات الاجتماعية بجامعة سبها و المدير العام السابق لمركز العالمي لدراسات و أبحاث الكتاب الأخضر): “التجربة التونسية من منظور ليبي: حدودها و طموحها و تأثيرها”:
أقر السيد عثمان أن مناقشة شأن ليبيا هو أمر ليبي و لكنه تونسي و عربي في ذات الوقت، فهو لا يقتصر على ليبيا وحدها.و أما في ما يخص سؤال “ما الذي تريده ليبيا من تونس؟” فقد أجاب عنه بأن تونس مطالبة بالعمل مع غيرها على وضع حد لتدخل القوى الغربية و الحفاظ على مصالح الشعب الليبي و السعي إلى التدخل لإقناع الأطراف الداخلية الليبية للكف عن الإقتتال و ترك النزاعات جانبا و ضمان حق كل الليبيين في التعايش و العمل و الحركة. كما يمكن الاستفادة من العلاقة التونسية الليبية لضمان إحلال السلم و الإستقرار.
إلا أن ما تعيشه تونس من عقبات اقتصادية و سياسية أخرت تشكيل الحكومة و تأثرها بالأزمات التي تتعرض لها جارتيها الجزائر و ليبيا جعل قدراتها في هذا المجال محدودة.
أما في ما يخص “ماذا يراد من تونس في مؤتمر برلين؟” بالرغم من أن تونس لم تدع للمشاركة في مؤتمر برلين إلى حد الآن، و قد تتمكن من تدارك الغياب التغييب، فإن هناك نوايا واضحة من البلدان الغربية في الاستفراد “بالملف الليبي” و إقصاء تونس و الجزائر لذا يجب التواصل مع الجزائر لإشراك الجارين في المؤتمر، فحضورهما ضروري لإعادة السلام إلى ليبيا و إحداث توازن في المواقف الدولية و الإقليمية.
• مداخلة السيد سالم الأطرش( رئيس المكتب السياسي للتجمع الوطني الليبي): “أي دور منتظر من تونس في الجهود الراهنة لحل النزاع الليبي؟ ” :
يعتبر السيد سالم أن تجارب الثورات العربية التي انطلقت من تونس تبقى على هذه البلاد النموذج الأفضل إلى حد الآن. لذا فان تونس لها مسؤولية أدبية و أخلاقية للوقوف مع تطلعات الليبيين ، فتونس مدعوة إلى الالتزام برغم جميع العراقيل، بمنظومة من القيم كالدفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون… لذا فإن حظ تونس أكبر من غيرها للتوسط و التدخل بين الفرقاء الليبيين.
أما المطلوب من تونس فهو مد يد العون للشعب الليبي إسنادا إلى التزامها اتجاه الثورات العربية. فقد أبدت دعمها منذ اندلاع الثورة لاحتضان كافة الفرقاء الليبيين.
يبقى السؤال المهم هو” ماهو دور تونس الآن؟ ” الخيار يبدو واضحا من الناحية الرسمية أي مد يد العون لليبيا (الرسمية و الشعبية) للوصول إلى دولة الحرية و المواطنة .
• مداخلة عادل الكندير( أستاذ القانون الدولي العام المشارك بجامعة طرابلس): “تونس عضو في مجلس الأمن : أية جهود ممكنة بالنسبة للملف الليبي؟ ” :
انطلق السيد عادل الكندير من سؤال : أين مكانة “الملف الليبي” في مجلس الأمن؟ متى يجوز للأمم المتحدة التدخل؟ استنادا إلى القانون الدولي من المفروض أن تتدخل الأمم المتحدة إذا صدرت تدابير قسرية (حسب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة) لكن هذه التدابير القسرية قد انتهت “صلاحياتها”. و مع رفع هذه التدابير ينتهي حقها في التدخل. و أضاف أن ليبيا الآن صارت في المستوى الاستثنائي لدى مجلس الآمن لذا حقّ له القدرة على التدخل مجددا وفق هذه البنود تحديدا.
و قد أشار الباحث إلى أن تونس سوف تكون عضوا في مجلس الأمن خلال الأيام القليلة القادمة (و قد حدث ذلك فعلا) لذا ستساهم في مراجعة كامل القرارات المتعلقة بليبيا. و مع صدور هذه القرارات أردفت الأمم المتحدة جملة من الآليات، منها لجنة الجزاءات(أُنشئت اللجنة في 26 فيفري 2011 للإشراف على تدابير الجزاءات ذات الصلة: حظر توريد الأسلحة وتجميد الأصول وحظر السفر على بعض المسئولين. ووُسّع نطاق ولاية اللجنة لتشمل التدابير المنصوص عليها في القرار 2146 /2014، المتعلقة بمحاولات تصدير النفط الخام بطريقة غير مشروعة من ليبيا مبينا أن كل دولة مشاركة في مجلس الأمن تكون عادة عضوا في لجنة الجزاءات. و حتى تتمكن هذه اللجنة من متابعة الوضع في ليبيا فقد عينت فريق خبراء لهذا الغرض. و قد بين الباحث أن ألمانيا تترأس لجنة الجزاءات لذا فإنه على تونس أن توطد علاقتها مع ألمانيا للانضمام إلى “مؤتمر برلين”. كما أن عضوية تونس في مجلس الأمن بصفتها ممثلة للمجموعة “العربية و الإفريقية” يخول لها أدبيا أن يكون لها مقعد في مؤتمر برلين لاتخاذ قرارات تخدم الصالح الليبي و في ختام مداخلته أردف الباحث أن عضوية تونس في مجلس الأمن و ربما ترأسها له، و عضويتها أيضا في لجنة الجزاءات، و مشاركتها المحتملة في مؤتمر برلين كلها عوامل يمكن أن تساهم في إصلاح الوضع بليبيا.
تلت المداخلات جملة من التعقيبات قام بها مجموعة من الباحثين و السفراء:
• السيد محمد جنيفان(سفير سابق في ليبيا):
أقر السيد محمد جنيفان أن ما قدمه المشاركون الليبيون من مداخلات لا يختلف كثيرا مع التونسيين من حيث المقاربة و الفكرة لكنه نبه إلى وجوب التعمق أكثر و البحث في جوهر الموضوع أي الأزمة الليبية.
فيما يخص موقف تونس، فإنه أكد على وجوب الوقوف على طبيعة العلاقة بين البلدين ومدى تأثيرها على الموقف السياسي. فتونس لا تنطلق من الحاجة إلى ليبيا بل من مشاعر التجاوب الشعبي بين البلدين الذي “يملي” أحيانا سياسات الحكام، فالشعب التونسي متضامن كليا مع الشعب الليبي. و أكد السفير انه يجب أن يكون هناك ضغط شعبي للمحافظة على العلاقات بين البلدين. كما أضاف أن بقطع النظر على التقلبات السياسية فإن ما أزم الأمر هو رفع بعض الليبيين السلاح ضد بعضهم بعضا و انقسامهم و مساهمتهم في سيطرة السلاح على المشهد السياسي و استدعاء التدخلات الخارجية . أما في ما يخص مجلس الأمن فإن عضوية تونس لن تغير كثيرا حسب رأيه لأن القرارات ستبقى دائما بأيد الأعضاء القاريين الخمس أو العشر الكبار، وبالتالي فلن يكون لتونس تأثير كبير.
• السيد هادي بالناصر (سفير سابق بليبيا )
يرى السيد بالناصر أن المسالة الليبية يتنازعها خلاف على النطاق الليبي-الليبي و تدخل القوى الخارجية. و مما ساهم في تأزم الأمر غياب الإرادة لإعادة بناء الدولة الليبية، و بروز بعض التوجهات التي تعرقل إعادة بناء الوحدة الوطنية بليبيا ومخاطر انقسام حقيقي و تشتت صفوف الليبيين و الصراع الإيديولوجي و الأقاليمي.
و أضاف السفير أن مجلس الأمن ليس كفيلا بالإيفاء بتطلعات الشأن الليبي. و حتى إن تولت تونس عضويتها في مجلس الأمن فإنها ستظل غير قادرة أن تتحدث بإسم جميع الدول العربية لاختلاف المواقف بين الدول العربية بشكل حاد. لذا المطلوب حشد كل الجهود الممكنة لإعادة الحوار بين الليبيين أنفسهم و إلجام صوت السلاح الذي يمثل عقبة أمام الليبيين و يجعل كل من ليبيا و البلدان المجاورة في حالة تهديد مستمر.
• السيد خليل الكلاعي (إعلامي مختص في الشأن الليبي):
طرح السيد خليل تساؤلا حول “ماذا يحدث في ليبيا خاصة جنوب طرابلس؟ “فالجميع فوجئ بما حدث في 4 أفريل 2019 و هو حدث لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى الحرب التي وقعت في آخر خريف 2018 التي خاضتها الكتائب في العاصمة الليبية طرابلس و محاولة سيطرة قوات حفتر عليها. لقد فوجئ الجميع أيضا بحجم التعبئة العسكرية في 27 جوان الماضي و سرعة الاستجابة من معظم التشكيلات داخل المدن لإفشال هذا التحرك،مما أدى إلى إجهاض هجوم خليفة حفتر في الأيام الأولى.و قدرة حكومة الوفاق الوطني رغم كل الصعوبات التي تمر بها على خوض مواجهة طويلة. و أردف أن هناك عدة تساؤلات تتطلب الإجابة عنها و تحليلها و أن ما يقع في ليبيا الآن أمر محير و يتطلب الإسراع لمحاولة إيجاد حل لها.
• يوسف الشريف (باحث):
يرى السيد يوسف أن مؤتمر برلين المحتمل يقصي الليبيين أنفسهم و الأطراف المحلية و يركز على القوى الغربية وحدها. و فيما يخص الأمم المتحدة فإنه لا يوجد حسب رأيه في الوقت الحالي أطراف أخرى قادرة على القيام بدور الوساطة غيرها. كما أن تونس بحكم موازين القوى هي غير قادرة على جمع البلدان المؤثرة في الأزمة الليبية، بل إن الجزائر تبدو بدورها مترددة و غير مستعدة للتدخل. و أضاف الباحث أن اغلب المؤسسات منذ 2011 التي تعمل بليبيا كان عليها لأسباب أمنية و سياسية أن تستعمل تونس منصة لتواصل أشغالها و مهامها فأغلب الحوارات تقع على أرضها. ما يجعل تونس المقر الحقيقي دون الإعلان عن ذلك في غياب إطار قانوني ينظم حضور هذه المنظمات. لذا يجب أن يتغير هذا الأمر لتسهيل العمل على الجميع و تصبح تونس حاضنة بالفعل بشكل رسمي هذه الجهود.
• السيد لمين البوعزيزي (باحث):
ذكّر الباحث بضغط التاريخ الذي شكل هشاشة البناء الوطني لدولة ليبيا الحديثة كما ساهم حكم القذافي في ترسيخ هشاشة الوضع. كما أن النخب الأكاديمية التونسية اعتنت بقضايا المجتمع الليبي و تاريخه السياسي (المنصف وناس و المولدي لحمر) مما يدل على وجود معرفة عامة لما يحدث في ليبيا . لقد قدمت الثورة التونسية معطى جديدا فقد مثلت رغم صغر حجمها الديمغرافي و الاقتصادي “الإقليم الملهم”. و أكد أن النخبة التونسية الحاكمة يجب أن لا تفرط في ضغط التاريخ و أرصدة الثورة. فالعلاقة بين تونس و ليبيا تقتضي مد يد السلام و التعامل مع الأطراف السياسية الليبية و ليس القبائل على خلاف ما بادرت إليه بادرت مؤسسة رئاسة الجمهورية من أجل تدبير الاختلاف بشكل عقلاني.
• السيد أمية الصديق (باحث):
يرى السيد أمية الصديق أنه رغم قوة الروابط و العلاقات بين تونس و ليبيا و أهميتها فإن مستوى المعرفة التونسية بما يجري في ليبيا “متدني جدا”. فالتطرق للوضع الليبي في تونس يتم تناوله كأداة في صراع داخلي تونسي-تونسي. أما في ما يخص مؤتمر برلين فهناك احتمال حسب اعتقاده أن يكون الاجتماع ناجحا، لكن هناك ضبابية تحوم حول هذا المسار فهذه المبادرة. لها موضوع حصري هو محاولة كف التدخل الخارجي في الشأن الليبي . هذه الفرضية آدت إلى تصور ألماني لمؤتمر برلين اقتصر على دعوة الأطراف المتدخلة، و هو ما يفسر عدم حضور الليبيين و لكن من الضروري حضور كل من تونس و الجزائر فتغييبهما غير منطقي و غير مقبول.
في نهاية التعقيبات فتح باب النقاش و الإجابة لاحقا عن التساؤلات المطروحة من قبل الحاضرين. و اختتم السيد طارق الكحلاوي النقاش مؤكدا على ضرورة العودة إلى الملف الليبي خصوصا في ظل التطورات الميدانية الأخيرة و إمكانية التدخل التركي العسكري الوشيك و تباين المواقف الدولية.