“كيف عاش التونسيون وباء كورونا و الحجر الصحي”

table ronde corona

انعقد يوم الجمعة 01 ماي 2020 بالمركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات.تونس مائدة مستديرة كان عنوانها “كيف عاش التونسيون وباء كورونا و الحجر الصحي” .

في البداية رحّب  مدير المركز السيد مهدي مبروك بالمشاركين و بمتابعي  المائدة المستديرة على مختلف قنوات التواصل الاجتماعي التي تنقلها بشكل مباشر و أضاف أنّ هذا اللقاء هو حلقة أولى من سلسلة من الحلقات ستمتد خلال الأسابيع القادمة و عنوانها” أن نفكر في زمن الكورونا”، يستدعي فيها  المركز من حين إلى آخر ثلة من المفكرين و الباحثين و المختصين و الخبراء لتناول قضايا متعددة من زوايا  و مقاربات مختلفة حول هذه الجائحة التي لم تشهد لها البشرية مثيلا منذ بدايات القرن العشرين .و ذكر أن  عنوان هذه  الحلقة  هو  “كيف عاش التونسيون وباء كورونا و الحجر الصحي”خاصة  و البلاد تعيش الفترة الأخيرة من الحجر. و أشار إلى أن هذه المائدة تحتوي على خمس مداخلات مختلفة الزوايا و الاختصاصات و المناهج  و المقاربات وعلى اثر ذلك فتح باب المداخلات.

  • مداخلة السيدة أميرة العروي( أخصائية نفسية و باحثة في علم النفس بالجامعة التونسية):

” التفاعلات النفسية و السلوكية التي عاشها التونسيون خلال فترة الحجر”:

في تحليل يعتمد المقاربة النفسية للإجابة  عن سؤال :كيف عاش التونسيون و الطفل داخل الأسرة الوباء؟.  أكدت السيدة أميرة  العروي أن التونسيين كانوا ملزمين ( إداريا و قانونيا) لأكثر من شهر  بالحجر الصحي  و خلال هذه  الفترة ركزت وسائل الإعلام بشكل مكثف على طرق الوقاية من الوباء ، و لم يتم   تناول  الجوانب النفسية  و العلائقية  و كيفية  التصرف بعد الوقاية من الفيروس الا بشكل عرضي ، ممّا أدى  لاحقا تبنّي  كل فرد لاستراتيجياته الخاصة للتعامل  مع الوضعية و قلما يتم الانضباط الى قواعد             و استرتيجيات جماعية . و أردفت أنه على المستوى النفسي الاجتماعي ، التزم معظم المواطنين في بداية الحجر الصحي بالبقاء بالمنزل إلاّ أنه كان يساورهم القلق و الحيرة و التساؤلات  المكثفة و المربكة أحيانا حول ما سيؤول إليه الوضع في المستقبل . فقد كان الوضع صعبا على الجميع مع اختلاف وقعه على كل فئة. و أكّدت أن حضور الوالدين بالمنزل ساعد كثيرا في تخفيف درجة القلق لدى الأطفال ،إذ أن  وجودهم مع  أسرهم سواء كانت النواتية أو الموسعة يخلق الكثير من فرص التواصل. و مع ذلك حدثت انزياحات و انحرافات كثيرة .

كما أضافت السيدة أميرة العروي أن تسارع الأحداث و تغير نسق الحياة اليومية كان له أثر وجداني                       و انفعالي كبير  على العائلة و الطفال خصوصا إذ برزت عدة انفعالات سلبية و إحباط وقلق مما خلق عند بعض الفئات سلوكات عدوانية خاصة لدى من  يعانون من نقص في التجربة الحياتية ( محن الحياة ) ،                 و الذين لم يكتسبوا بعد استراتيجيات لمواجهة وضعيات بها ضغوطات نفسية ،و كذلك من ليست لديهم مناعة نفسية تؤهلهم لمجابهة هذه الضغوط، مثل صغار السن أو  الذين لم يتحكموا بعد  في مثل هذه الاستراتيجيات المذكورة من خلال التنشئة الاجتماعية . وقد أكّدت أيضا السيدة أميرة العروي أن هناك انفعالات سلبية برزت عند صغار السّن  تحديدا  ترجمت في عدة سلوكات كالإفراط في الحركة خصوصا في الفضاءات الضيقة     و العدوانية مما كان  له أثر خاصة تحت وطأة الضغط النفسي الذي يعيشه الأولياء  و ذلك ما أدى الى تصادم في بعض الأحيان بين الولي من جهة و الطفل من جهة ثانية  وصلت  حد العنف مما نتج عنه توجه الطفل  نحو  الانثناء والعزلة . وجد هؤلاء الأطفال انفسهم  مدفوعين الى مواقع التواصل الاجتماعي كهروب من ضغط الواقع   مع ما يمكن أن يشكله ذلك من مخاطر  كتعرضهم الى   التنمر الالكتروني أو للاستغلال ( التحرش الجنسي ..) عبر هذه الشبكات. أو الاتجاه نحو مزيد من العنف .  و أكدت المتدخلة   على ضرورة  تنشيط الحوار  بين الوالدين والطفل حتى يتم تفسير الوضع و طمأنته ، فالأطفال يستشعرون عادة حتى ان لم يعبروا صراحة عن ذلك ما يدور من حولهم من مواقف و أحاسيس  وذلك ما  يولد لديهم إحساسا بالقلق  و الحيرة. ثم بيّنت أنها قامت بالمشاركة مع زملائها من أخصائيين نفسيين بعقد منتديات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتوعية الأولياء  وحثهم على التواصل مع أطفالهم والإجابة على تساؤلاتهم حسب  المستوى الدراسي  و الادراك  الذي  يمتلكه الطفل.

إضافة الى ذلك  أكدت السيدة أميرة العروي أن هناك فئة عمرية أخرى تأثرت أيضا  بفترة الحجر                         و أجبرت على المكوث بالبيت وهي فئة المراهقين الذين يحيون فترة عمرية تتميز  بالكثير من الاندفاع                   و  الطاقة الجسدية و الاضطرابات الفسيولوجية والنفسية في حين أن  الحجر يتجه عكس هذه الانفعالات حين يقيد الحركة و يثبت المشارع و يقلص من التبادل. لذا وجب على الأولياء أن يكونوا على وعي بهذه الأمور  الدقيقة و باختلاف احتياجات أبنائهم المراهقين  عن  اجتياجات الكبار عموما  . و مع تنامي الضغوطات عليهم فإن البعض منهم  قد قاموا بخرق الحجر لعجزهم  عن التحكم في  الضغط،  كما تعرض البعض الآخر إلى  العنف داخل المنزل في غياب طرف ثالث ( أقارب، مدرسين ، منظمات و هيئات ) خلال فترة الحجر  يمكن  له أن يرصد آثار  ملامح العنف أو يقدم المساعدة. فالمعتدي و المعتدى عليه ملزمان بالبقاء في نفس المنزل تحت مفعول الحجر الصحي .

و في ختامها لمداخلتها أضافت السيدة أميرة العروي أن نتائج الحجر ليست دوما سلبية فالالتزام بالمنزل كانت لديه العديد من الآثار الإيجابية  فمن الممكن أن  يستغل الأطفال و الأولياء هذه  الفترة  لصياغة  ذكريات جميلة و لتقاسم الأنشطة و للتعاون حتى في مهام المنزل  و اكتشاف ذواتهم ومهاراتهم و خصالهم.

  • مداخلة السيد طارق بن جازبة (المدير العام الأسبق للمعهد الوطني للاستهلاك، خبير في الشأن الاستهلاكي): ” التوجّهات الاستهلاكية للتونسيين خلال فترة الوباء و ظاهرة الاحتكار و اللهفة” .

أقر السيد طارق  بأن السّلوك الاستهلاكي للتونسيين خلال فترة الحجر شهد تغيّرات عميقة على مستوى الأسر التونسية،  إذ أنه  ومع بداية الحجر الصحي برزت ظاهرة ” شراءات الهلع” و تهافت الناس على العديد من المحلات لكثافة  رغبة هؤلاء في تأمين القوت.  كما لوحظ أيضا إقبال كبير على شراء  العديد من المواد الاستهلاكية المدعّمة مثل (السميد و الفرينة) والعجين الغذائي  عموما و قد صاحب ذلك بعض الانفلات  وصلت  حتى الاعتداءات على الشاحنات المقلة لهذه المواد في مشهد يعكس رغبة المواطن في تأمين قوته للعيش. إلا أن هذه المظاهر غير مرتبطة بتونس فحسب فلقد  شهدت حتى الدول المتقدمة هذه الحالة من الهلع و مان لإقبال على نفس المنتجات تقريبا  وذلك ما يعكس أن هذه التصرفات لا تقتصر على دول دون أخرى خصوصا في زمن الكوارث و الأوبئة ..و أضاف أنه تم رصد  ارتفاع في النفقات الموجهة للغذاء أمام تراجع عدة نفقات أخرى كنفقات الترفيه و النقل فلقد سجلت البلاد  تغيّر حتى على مستوى أولويات الشراء و أصبحت المواد الغذائية تستحوذ على جزء  هام من دخل الأسرة و من نفقاتها عامة.         و أقرّ السيد طارق  أن العادات الشرائية للمواطنين تطورت عبر استعمال وسائل التجارة الالكترونية              و البيع عن بعد، اذ سجل  نمو بين 30 و 40 % في رقم المعاملات و بلغ في بعض الحالات إلى حدود  100%  و حتل المواد الإعلامية   المرتبة الأولى من هذا النوع من الشراءات خلال فترة الحجر أما في المرتبة الثانية  فتأتي النفقات المتعلقة بالمواد الغذائية و منتجات التنظيف. و أضاف أنه خلال مدة الحجر بلغت النفقات الموجهة للأكل خارج المنزل 0 % بعد أن كانت تبلغ حوالي 29 %من إجمالي النفقات الغذائية  للعائلات المرفّهة، فلقد عادت الأسر الى الأكلات المنزلية  مما وفر فرصة اجتماع العائلة و ذلك يعتبر من ايجابيات الحجر. و أضاف السيد  طارق بن جازية أن الادخار قد تأثر  بدوره على نحو مزدوج ، إذ ظهر ما يسمى بالادخار الإجباري أمام عدم توفر أبواب الإنفاق  العادي لالتزام الناس بالحجر  و منع الخروج و التجوال  ،فلقد وجدت بعض الأسر نفسها مجبرة على الادخار و توفير جزء من المال. في المقابل هناك العديد من الأسر الأخرى أصبحت مجبرة على الإنفاق من مدخرات سابقة على غرار المنتصبين لحسابهم الخاص أو بعض المهنيين و العاملين في القطاع الموازي الذين “أحبروا على البطالة”. و أقرّ الخبير بأن حوالي 32 % من العاملين يعملون بالقطاع الموازي منهم 60 % يعملون لحسابهم الخاص و ليسوا أجراء               و هذه  الفئة الهشة خاصة  هي التي عانت اكثر من غيرها من تباعات الوباء فالحجر صحي بيّن أكثر من أي وقت مضى وضعية الفقر في تونس و الهشاشة إذ يوجد حوالي مليون و مائتي ألف تونسي يعيشون وضعية الفقر   و 700 ألف تونسي في حالة فقر مدقع ،و 600 ألف تونسي يعيشون حالة سوء التغذية . أما بالنسبة للادخار بتونس فقد قدره  الخبير   بحوالي 1150و 1300 مليون دينار و هذا الرقم يمكن أن يكون حلاّ لما بعد الوباء إذ سيتم استهلاك هذه الأموال.

ثم تطرق السيد طارق بن جازية  إلى ارتفاع نسبة استهلاك الانترنت ب 15 % خلال الحجر الصحي و تراجع ملحوظ في استهلاك الوقود و الذي قدرته وزارة الطاقة بحوالي 21 % نظرا لتوقف الحركة الاقتصادية.

و أضاف المتدخل  أن هناك شعور لدى بعض الأسر التونسية بتراجع مقدرتها الشرائية  و ذلك راجح في اعتقاده الى  الضغط المسلط   في ظل الاقتطاع من أجور الموظفين أو انعدام ضمان  تواصل ا الأجر . و بيّن أنه لوحظ  في بداية الحجر ارتفاع في الأسعار بسب “شراءات الهلع”  التي تمت اثارتها سابقا تلك و لكن شيئا فشيئا تراجعت  هذه  الأخيرة خاصة  بالنسبة  الى المواد الفلاحية و بعض المواد الغذائية، في ظل توقف أنشطة القطاع السياحي و المطاعم مما أحدث  وفرة في العرض . بالرغم من أن معهد الإحصاء قد عبّر عن ارتفاع مؤشر الأسعار عند الاستهلاك إلا حدود  6 %. و بين أنه ظهرت خلال هذه الفترة عدة ممارسات احتكارية خاصة بالنسبة للمواد المدعّمة و التي وقع كشفها ففي حدود 26  أفريل 2020 حجزت مصالح المراقبة بوزارة التجارة حوالي 3200 طن و قامت بغلق حوالي 32 محل إلى جانب إيداع حوالي 16 شخص بالسجن لممارساتهم الاحتكارية فضلا عن تورط بعض المسؤولين المحليين في ذلك .

و ختاما لمداخلته أكد الخبير أن فترة الحجر الصحي بينت أن منظومة الإنتاج استطاعت توفير الأمان الغذائي بقدر ما طرحت العديد من الإشكالات على مستوى التوزيع. و نظرا لكونه ظرفا استثنائيا كان له تأثير كبير  على بعض العادات و السلوكات الاستهلاكية للأسر التونسية  في انتظار ما سينتج عنه الرجوع التدريجي بعد الحجر الصحي.

  • مداخلة السيد منير سعيداني (أستاذ و باحث في علم الاجتماع بالجامعة التونسية) :

” كيف عاشت النخب المختلفة هذا الوباء و هذا الحجر الصحي “:

في بداية مداخلته ميّز السيد منير سعيداني بين علم اجتماع الصحة و علم اجتماع الجائحة، معتبرا أن في الجائحة المجتمع يتصرف بشكل غير تقليدي واستثنائي وعادة ما يكون متأزما إلى حد ما . و في إجابته عن التساؤل المطروح حول النخب بيّن أن هذه الأخيرة تكيّف توجهاتها و مواقعها و لكنها تتكيف بالوضعية في ذات الوقت فالنخب تجد نفسها  في وضع تفاعلي و لا يمكن مطلقا أن تكون خارج الأزمة غير أنها  بفعل موقعها تحاول أن تكون فاعلة في هذا السياق قدر المستطاع .  وقد اكتفى  المتدخل بتناول خمس نخب كبرى و هي : النخب السياسية، النخب الاجتماعية، النخب العلمية الأكاديمية، النخب الإعلامية و النخب الفكرية والثقافية.

– بالنسبة الى النخب السياسية بيّن  الباحث أنه يمكن التمييز فبها بين نخب حاكمة منها الوزراء، أعضاء مجلس النواب ، رئيس الدولة… فهذ  الأخيرة غلب عليها في مرحلة أولى محاولة استغلال الوضع لإعادة رسم خريطة العلاقات ثم برز لاحقا نوع من التأقلم مع الوضعية في اتجاه محاولة رسم خطة تصدّ استراتيجية تحتوي على ثلاث محاور كبرى الوجه الصحي، الوجه الاجتماعي و الوجه الأمني. وضعت النخب أولويات        و هي أولويات التصدي الصحي للجائحة ثم  السعي فيما بعد الى معالجة  الآثار الاجتماعية ثم ضبط حركة الناس في المجال و محاولة الحفاظ على سيطرة معينة. أمّا بالنسبة للنخب الغير حاكمة فقد قسمها  البحث إلى نخب مساندة كالأطباء و العديد من المسؤولين في الهياكل الطبية و العديد من الوزراء السابقين… و الذين شكّلوا نوعا ما مجموعة ضاغطة كما قدموا بعض الاقتراحات. و هناك مبادرات برزت فيها أحزاب و شخصيات سياسية كما قدم أيضا أمثلة عن النخب السياسية الغير الحاكمة  والتي عرفت بنقدها و معارضتها السابقة فلقد انتبه الباحث الى انها  خفضت نسبيا من ذلك  لم يتجاوز فعلها في هذا السياق تحديدا  مجرد تقديم الاقتراحات و إصدار  البيانات و التواصل عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.

– النخب الاجتماعية قسّمها السيد منير سعيداني إلى ثلاث مجموعات كبرى النخب الاجتماعية النقابية العمالية و قدم مثالا على ذلك  “الاتحاد العام التونسي للشغل” و تطرّقه  الى ضرورة  بلورة مخطط استراتيجي للوقاية كبديل اجتماعية اقتصادي خاصة في ما يهم المرحلة المقبلة ، النخب الاجتماعية النقابية في قطاع الأعمال و التي  ركّزت على الآثار الاجتماعية للجائحة من حيث هي أثار اقتصادية على مجمل أعمالها  و مصالحها، ثم النخب الاجتماعية الشبابية و هي عبارة عن جملة من المبادرات المدنية التي حاولت  أن تنشئ   شبكات إما قديمة نشطوها بطريقة جديدة أو هي جديدة مبتكرة ، شبكات تطوعية تحاول أن تجمع بين تجميع مساعدات و  تتوقي من الوباء.

– النخبة الثالثة هي النخب العلمية الأكاديمية و التي قسّمها حسب الاختصاص و ميز بين النخب العلمية المختصة في مجال العلوم الصحيحة ( كالعلوم الطبية و الفيروسية و العلاجية…) و قد برزت أكثر خلال هذه  الفترة، و كان لها حضور قوي في المشهد الإعلامي و التأثير في الرأي العام  و النخب العلمية التي تنتمي الى مجال العلوم الإنسانية التي لم ظل حضورها باهتا عموما لأسباب عديدة.

– النخب الرابعة وهي النخبة الإعلامية و قد اعتبر الباحث أن النخب “التقليدية” البارزة سابقا (اعلاميين، منشطي، كرونيكار ..) تراجعت خلال فترة الوباء لأن الأمر ليس من اختصاصها كما أن المزاج العام بحث عن حاجات نفسية و معرفية جديدة ( طمأنة ، معلومات ..)  وبيّن أن هناك نوع من الحراك النازل لدى هذه النخب. أما الجديد في الأمر فهو الحضور اللافت لوجوه إعلامية جديدة بدأت تبرز و لكن في المجال الافتراضي ( مدونين ، أطباء لهم صفحات خاصة ….).

– أما النخب الأخيرة و هي النخب الفكرية و الثقافية و قد كان حضورها أيضا باهتا حسب الباحث فلم نشهد مواقف أو مبادرات أو أعمال ذات شأن. تدل على حضور هؤلاء  في هذه الجائحة كقوة اقتراح أو توجيه للرأي العام.

و  ختاما لمداخلته بيّن السيد منير السعيداني أن المقاربات عموما ظلت خلال فترة الحجر تقليدية  مع ظهور تغيير طفيف، كما برز بعض الحراك النازل و الصّاعد في ذات الوقت لهذه النخب . . و طرح جملة من الأسئلة  : ماهي علاقة النخب بالجمهور و أفراد المجتمع  “العاديين”  وكيف تتعاطى معهم ؟ و ماهي قدراتهم على الإقناع  و التكييف؟  ما موقع  النخب غير السلطوية و غير السّياسية في مثل هذه الأزمات ؟

  • مداخلة السيدة أسماء نويرة (أستاذة و باحثة في القانون بالجامعة التونسية):

“مقابة جندرية حول كيف عاشت النساء فترة الوباء؟”

بيّنت السيدة أسماء بن نويرة  أنه من السابق لأوانه تقديم مقاربة جندرية متكاملة  الأركان لجائحة كورونا لذلك فان  ما ستقدمه هو مجرد استنتاجات أولية مستندة على ملاحظات اتنوغرافية من المعاش اليومي تمت  عبر نافذة منزلها أو محادثاتها عن بعد مع بعض النساء  و اطلاعها على مواقع التواصل الاجتماعي حيث التزمت الحجر الصحي في انتظار توفر مادة إحصائية و تقنيات أكثر دقة للبحث الميداني :  لقد انتبهت الى أن بعض المؤسسات كمكاتب البريد أو  البنوك شهدت حركية ما خلال الحجر في علاقة بتوزيع المساعدات الاجتماعية أو المبادلات المالية التي أجبر فيها الجميع على الوقوف في الطوابير  الخ و ذلك ما أتاح فرصة لمشاهدة هذه الفئات بشكل مباشر، و من ناحية السلوك الجندري  فلقد اعتمدت بعض تلك المؤسسات  الفصل بين النساء و الرجال في مستوى الطوابير و أردفت أن النساء كنّ من بين الفئات الهشّة الأكثر  تأثّرا بتداعيات الوباء و بالإجراءات المتخذة لمقاومته علاوة على الأعباء  الاقتصادية                  و الاجتماعية التي ستتحملها . كما أقرّت أن مسألة العنف المسلّط على النساء ارتفع منسوبه خلال هذه الفترة كما تشير إليه الإحصائيات المتوفرة التي صرحت بها وزارة المرأة و الطفولة و المسنين ، كما ارتفعت نسبة التبليغ  عن ذلك من خلال  الرقم الأخضر الذي أحدث  خصيصا خلال  فترة الحجر الصحي                 و ارتفعت أيضا  نسبة المكالمات المتعلقة بالإرشاد القانوني و كأّن النساء يطالبن بتطبيق القانون و التعامل بجدية مع مسألة العنف و الاعتداء .  و أضافت أن التّمثلات الاجتماعية  للعنف لازالت حقيقة مثيرة للقلق لأنها تعبّر عن وعي مستبطن   يتجلى  من خلال ردود الفعل و تحميل الضحية ( المرأة) المسؤولية        و تبرير العنف المسلط عليها مذكرة بحادثة  الاغتصاب التي وقعت يوم 20 مارس 2020 ( في رمزية عيد الاستقلال) و ردود الفعل التي تعكس تواصل تلك النظرة  الدونية للمرأة التي تجعل من الضحية جانية في ذات الوقت، فالبعض يرى أن الفتاة تلك  قد  “أثارت ” المعتدي وهو أمر غير مقبول أخلاقيا و قانونا في مجتمع كان من أوائل المجتمعات التي راهنت على تحرر المرأة  . فهذه الجائحة  طرحت بأكثر حدة  مسألة الحريّات الشخصية  على غرار  حرية التنقل و الّلباس الخ.  و أردفت أنه سجل ارتفاع في نسب  العنف السيبرني المسلّط على النساء من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وذلك ما اكد تواصل   صورة نمطية ما للمرأة  تختزلها في أبعاد تتعلق بجمال المرأة و مكانها و دورها  الطبيعي ( المنزل) وتم ذلك  تحت مسميات الدعابة الالكترونية فتم تمريره من خلال النكت و الحكم و الأمثلة الشعبية و المواقف الهزلية و الهاشتاغ الخ . صور و تمثلات تختل المرأة في جملها الجسدي و هي التي هيئتها الطبيعة للطبخ و تربية الأبناء وهو ما يحملنا المسؤولية جميعا  من أجل مكافحة هذه الصور النمطية القائمة على الهيمنة  الذكورية و الاذلال..

ثم بيّنت السيدة أسماء نويرة أن للحجر تداعيات اقتصادية على النساء، خاصة و أن نسبة البطالة مرتفعة في صفوفهن  مقارنة  بالرجال. و توقعت أن  يشمل هذا الارتفاع  النساء اللواتي يشتغلن في القطاعات ذات اليد العاملة النسائية  كالنسيج و الفلاحة الخ . و في ختام مداخلتها بينت أن هناك جانبا ايجابيا للحجر خصوصا اذا ما انتبهنا الى  النخب النسائية التي برزت خلال الأزمة، فلقد  أثبتت المرأة التونسية قدراتها  في عدة مجالات  و أعطت مثالا على ذلك الدكتورة انصاف بن علية ومساهمتها في  الحرب على  الفيروس  حتى تحولت هي وغيرها من النساء الى ايقونات نضال صحي ضد الوباء.

  • مداخلة السيد أنيس عون الله (مندوب حماية الطفولة):

” كيف عاش الأطفال بتونس هذا الوباء ؟”

أقرّ السيد أنيس عون الله مندوب حماية الطفولة بتونس أن العديد من الأطفال قد تضرّروا خلال فترة الحجر. و قد تفاقمت بعض الوضعيات حتى أصبح من الصعب على مؤسسات الدولة مجابهتها خصوصا في ظل توقف المرفق الإداري و القضائي في العديد  من الجهات بشكل يكاد يكون كليا. و أردف أن من بين الصعوبات التي تفاقمت خلال هذه  الفترة هي الصعوبات العلائقية داخل الأسر، لأن العائلات تعودت على تقاسم مسؤولية  العناية بالطفل مع المدرسة و الحضانة في حين أن  فترة الحجر قد أحالت كل هذه المسؤوليات الى العائلة و هي التي لم تتهيأ مسبقا لذلك، علاوة على افتقاد المهارات و الكفاءات و المعارف للتعاطي مع هذه الحالة المستجدة و الطارئة على الجميع  و ذلك ما انزاح الى اللجوء الى العنف في مواقع كثيرة  رافقتها حالات إهمال و فرار  . و أقرّ أن نسبة فرار الفتيات نتيجة الضغوطات النفسية بالمنزل قد ارتفعت خلال هذه الفترة .مقارنة بالفتيان . أمّا في ما يخص الأطفال حاملي الإعاقة، و مع تقلّص دعم  الجمعيات خلال فترة الحجر فقد وجد الأولياء  أنفسهم  يتحملون  مسؤولية جسيمة  عجزوا عن الوفاء بها نظرا لافتقاد الامكانيات و الموارد و المهارات.  و أضاف أنه تم أيضا  تسجيل عدة  حالات  فرار للأمهات (العازبات) بعد وضعهن  لأطفال “خارج الإطار القانوني ” أكثر من المعتاد، مما سيؤدي لاحقا الى صعوبات على مستوى ثبات  هوية الطفل . كما بين  أيضا  أن  وضعيات الأطفال الذين يعيشون حالت طلاق   الوالدين قد تأزمت أكثر  خصوصا وقد استغل البعض هذه الظرفية فتم منع أحد الطرفين الآخر من زيارة  الابن  بحجة الحجر الصحي  ،و قد يؤدي ذلك لا محالة الى أضرار نفسية عميقة لاحقا. و  أردف أن مسألة الاستغلال الجنسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ارتفعت نسبتها  وذلك في تزامن مع  ارتفاع استهلاك  الأطفال للأنترانت بمفردهم ( دون احاطة أو رقابة العائلة) .ثم تطرّق  الى مسألة “الأطفال في الشارع”  و العجز عن  إعادة ايوائهم  و فرارهم  من مؤسسات الرعاية لضجرهم خاصة في  ظل توقف  جميع الأنشطة الثقافية  والتربوية التي حولت تلك الفضاءات الى فضاءات سالبة للحرية أشبه بالسجون   وذلك ما دفعهم الى رفض فكرة  الحجر الصحي خصوصا في ظل تصاعد المخاوف  من إعادة الأطفال الفارين الى المؤسسات خشية العدوى التي يمكن أن يتسببوا فيها  اذ تظل احتمالات اصابتهم واردة   .

و ختاما لمداخلته أكّد السّيد أنيس عون الله أن هناك جوانبا إيجابية  للحجر مثل تقلص نسبة استهلاك المخدرات خاصة مع انتفاء الظروف المشجعة له و تفكك الشبكات المروجة لها ولو الى حين . لكن ذلك لا يمنع التأكيد  على تداعيات الحجر و تأثيراته  على الأطفال ستظهر أكثر بعد رفع الحجر .

في الختام فتح السيد مهدي مبروك بابا للنقاش بين المشاركين و طرح عليهم الأسئلة الواردة عبر موقع التواصل الاجتماعي من قبل المشاهدين. ثم شكر الجميع على المتابعة و التفاعل.