العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة

  • image
  • image
  • image
  • image

نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس يومي 12 و13 سبتمبر 2015 المؤتمر السنوي الرابع في قضايا التحول الديمقراطي تحت عنوان “العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة” بمشاركة عدد هام من الجامعيين والباحثين العرب في مجالات العلوم الاجتماعية والسياسية.

وفي كلمته الافتتاحية عبر الدكتور مهدي مبروك مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس عن سعادته واعتزاز المركز باستقبال عدد من الخبراء والمختصين العرب الذين لبوا الدعوة وتفاعلوا إيجابا مع موضوع المؤتمر وهو العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة رغبة منهم في تنوير الطريق امام الباحثين والدارسين في موضوع استفحال ظاهرة العنف في الدول العربية الحديثة، ومن بينها تونس هذا البلد الذي يطوي مراحل الانتقال الديمقراطي بعسر ولكن بخطى ثابتة.

واوضح الدكتور مهدي مبروك اختيار موضوع العنف والسياسة محور لأعمال هذا المؤتمر سببه هو انه فرض نفسه على الأجندة الفكرية والبحثية نظرا الى ما آلت اليه الثورات من عنف غير مسبوق وهو ما حتم ان نتساءل عن العلاقة بين العنف والسياسة .

وفي كلمة القاها الدكتور جمال باروت نيابة عن الدكتور عزمي بشارة استعرض بعض انشطة المركز والتى تشمل تنظيم العديد من المؤتمرات العلمية التي تبحث مواضيع ذات صلة بالتحولات والتحدبات التى تواجهها الدول الخليجية والعربية على المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على غرار المؤتمر السنوي للتحول الديموقراطي والمؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي يعتبر أحد أهم العلامات في النشاط المؤتمري العلمي للمركز الى جانب سلسة مؤتمرية حول العرب والعالم، وقد عقد منها عدة دورات بحثت في العرب وتركيا والعرب وإيران .

كما ينظم المركز مؤتمرا سنويا لمراكز الأبحاث بهدف مزيد العمل على تشبيك التعاون والتفاعل ما بين مراكز البحث والتفكير حول موضوعات عربية هامة محددة.

وذكر ان المركز يحاول أن يقدم خدمة علمية يبقى رصيدها مؤثرًا في المستقبل من خلال إطلاقه لمؤسسة المعجم التاريخي العربي التي تستقطب مجموعة مختارة من أبرز اللغويين ومؤلفي المعاجم واختصاصيي الحاسوب وسوف تصدر مجلداته تباعًا على مدار الخمسة عشر عامًا القادمة، وسوف يرصد هذا المعجم تاريخ الألفاظ والمصطلحات العربية على مدى الألفَي سنة الماضية.

تجدر الاشارة كذلك الى ان المركز سبق له ان اطلق قبل ثلاثة أعوام برنامج قياس الرأي العام، وهو أضخم مشروع عربي لقياس اتجاهات الرأي العام نحو موضوعات اقتصادية واجتماعية وسياسية راهنة ومهمة.

الجلسة الافتتاحية للمؤتمر تضمنت محاضرتين امن الأولى الدكتور منير الكشو وتناول فيها مشكلة التحكّم في العنف في الدول الحديثة وفي مراحل الانتقال الديمقراطي. وعرج على الأساليب التي اعتمدتها الدولة الحديثة للسيطرة على العنف المجتمعي وذلك باحتكارها استخدام العنف الشرعي.

ولاحظ الدكتور الكشو ان استئثار الدول الحديثة بوسائل القوة والسيطرة على المجتمع وعلى المجال الجغرافي خلّف تجمّعا هائلا للنفوذ بين أيدي أجهزة الدولة لم تستخدمه دائما لصالح المجتمع والقيم الحديثة التي بُني عليها وإنما لخدمة مصالح أطراف ومراكز نفوذ اقتصادية وسياسية.

وقال “اليوم هناك أمل في أن يكون تحكم الدولة في العنف لا من خلال احتكار استخدامه فقط بل أن يكون أيضا هذا الاستخدام خاضعا إلى الرقابة الدستورية والقانونية والشعبية من خلال الرأي والجدل العمومي وأن يُحصر في الحدود التي يعتبرها الجميع معقولة ومبرّرة. في بلدان التحوّل نحو الديمقراطية مثل بلدنا تونس”

اما المحاضرة الثانية فقد تناول فيها الدكتور والباحث العراقي فالح عبد الجبار وهو مختص في علم الاجتماع السياسي نشأة الدولة الحديثة وظاهرة العنف فيها وما يتطلبه توازن المجتمع لتفادي هذه الافة واعتبر ان العنف امر متصل بطبع الانسان وهو وسيلة وجدت في كل المجتمعات والدول وتجسدت في الحروب والنزاعات الطائفية وحتى في عمليات الانتحار.

وقال المحاضر العراقي ان الدولة الحديثة تبني علاقتها بالمجتمع على ثنائية الاكراه والرضا فكلما قل الاكراه زاد الرضا والعكس صحيح وقد عرفت البلاد العربية عدة أنماط من الحكم منها الديمقراطي الذي لم ينجح في الدول العربية وأيضا النمط التسلطي الذي يعتمد على الحكم بالعسكر.

اما عن الحلول التي تسمح بالقضاء على ظاهرة العنف فتتمثل حسب راي الدكتور فالح عبد الجبار في ضرورة إقرار المشاركة السياسية من خلال السماح للمواطنين بالانتخاب وممارسة النشاط السياسي وابداء الر أي وأيضا بحرية تكوين الأحزاب والمشاركة في صنع القرار.

وشفعت المحاضرتان بحصة نقاش عام تم خلالها التأكيد على أهمية محور هذ المؤتمر العلمي خاصة وهو يتزامن مع سياق عربي تتخلله اشكال شتى من العنف افرزتها التغيرات العديدة التي تشهدها المجتمعات العربية المعاصرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

وفي هذا الاطار أشار بعض الحضور الى أهمية تعميق تحليل هذه المتغيرات ومظاهرها المستجدة التي يمارسها الفرد والمجتمع والدولة ، أسبابها وتداعياتها وضرورة استخلاص كل الدروس والعبر المتاحة بهدف مزيد فهم هذه الظاهرة ومن ثمة تحديد الحلول والمقاربات الملائمة لتحصين هذا الفرد وهذا المجتمع وهذه الدولة ضد كل مظاهر العنف بمختلف ابعاده دون الاعتماد المفرط في ذلك على التجارب الغربية المسقطة .

الجلسة الثالثة من اليوم الأول والتي ادارها الدكتور منير الكشو خصصت لتقديم بعض النماذج والحالات وتناول خلالها الدكتور احمد جاسم الحسين من سوريا موضوع “عنف السلطة في الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش من خلال دراسة ميدانية في منطقة العراق وسوريا” وقال ان الدولة الإسلامية في العراق والشام لها رؤية مختلفة لمفهوم العنف اعتمادا على تفسيرات محددة لمفاهيم قديمة جدا للدولة فعرضت رؤيتها تلك على السكان المدنيين الذين يعيشون في جغرافيا معينة لاغية حدودا دولية امام اعين المجتمع الدولي بين سوريا والعراق.

وبما ان وجودها وطروحاتها قادمة من خارج سياق تلك المجتمعات التي وجدت فيها فانه من الطبيعي ان يكون العنف طريقتها لرئيسية في فرض ارادتها ومفاهيمها على السكان المدنيين .

وتساءل الباحث في دراسته ان كان يوجد ترابط عضوي بين الدولة والاكراه وما مدى ارتباط الدولة بثقافة العنف والاكراه وان كانت توجد فروق مجتمعية او فردية في قبول تنظيم الدولة ؟ وما مدى ملاءمة تنظيم الدولة ل النوستالجيا التي تعيشها المجتمعات العشائرية نحو الحالة السابقة للدولة المعاصرة؟وكيف يمكن توظيف عنف الاكراه في فهم الظاهرة؟

الدكتور حمزة مصطفى من سوريا حاضر كذلك حول الجهادية السورية اسئلة عن ممكنات التحول من العنف الى التسويات وتحدث خلالها عن الأصول النظرية لنشأة داعش وأعطى توضيحات حول استراتيجية تنظيم داعش، وحاضر الدكتور حسن أبو هنية من الأردن عن جاذبية العنف الجهادي الجديد : الولايات الخارجية للدولة الإسلامية وقال فيه

وتضمن برنامج اليوم الثاني مجموعة من الجلسات العلمية تناولت مواضيع “ثقافة العنف” و”التسامح مقابل العنف” و”العنف السياسي في اللغة والخطاب” و”العنف في وسائل التواصل الاجتماعي” الى جانب تنظيم مائدة مستديرة لأثراء محاور هذا المؤتمر العلمي ومناقشة بعض المسائل العالقة.

وقد تحدث في جلسة “ثقافة العنف” الباحث رشيد شريت من المغرب عن الحالة المغربية التي يرى أنها فريدة من نوعها نتيجة خصوصيتها في كونها فسيفساء فريدة من العنف الشامل الذي اشتركت فيه جميع الأطراف من دون استثناء من نظام وأحزاب وفصائل يسار ويمين وإسلاميين، وقال إن العنف الثوري والمضاد تحوّل من مجرد مناورة وتكتيك إلى لغة سياسة قائمة الأركان.

وقدم الدكتور محمد صالح مولى مداخلة بعنوان” ثقافة النحر وحِرْفة قطع الرؤوس.. أيّ معقوليّة؟ مقاربة تحليلية نقديّة”. وسلط خلالها الضوء على السياقات والمسارات التي تتحرك فيها الظاهرة وحاول تفسيرها وقال إن القضاء على العنف نهائيا امر غير ممكن وغير متوقع فكل الدلائل الثقافية والتاريخية والسياسية توفر باستمرار ما يفيد أن العنف ليس ظاهرة عابرة أو سلوكا منحرفا يمكن تصويبه بيسر وإنما هو لصيق بالإنسان ولا يمكن إلا عقلنته وذلك بتحويل مجراه والتقليل من ضحاياه.

واختتم المؤتمر اعماله بعقد مائدة مستديرة تراسها الدكتور مهدي مبروك وبحثت مجموعة من المسائل ذات الصلة بموضوع المؤتمر منها ما هي العلاقة المفترضة بين العنف السياسي والتحول الديمقراطي، هل اثار او شجع هذا التحول بروز منسوب العنف الكامن داخل الفرد والمجموعة

وتسائل الدكتور مبروك : كيف يمكن تجاوز موجة العنف التي سادت بعض المجتمعات العربية في الفترة الأخيرة وما شروط ذلك وهل ثمة مقاربة او طرح واضخ للغرض، ثم هل ثمة حاجة الى عنف الدولة وضرورة قيام دولة عنيفة نسبيا لتحقيق ما يمكن تسميته بحد ادنى من الاستقرار المجتمعي

واكد عدد من المحاضرين بالمناسبة على انه ثمة نوع من المغالاة في الحديث عن العنف في المجتمعات العربية وان منسوب العنف واشكاله تبقى في مستويات عادية باستثناء ذلك العنف الذي ارتبط بالجماعات الجهادية والعنف السياسية.

بعض الحضور أشاروا أيضا الى ان أحزاب سياسية في اكثر من دولة عربية استغلت العنف ووظفته لتخويف عامة المجتمع ودفعها اكراها لتبني افكارها ورؤاها.

بعض الحاضرين أشاروا كذلك الى أهمية التفكير في تنمية التربية على الامن الإنساني والاجتماعي وترسيخ ذلك منذ مرحلة التنشئة الأولى للطفل ولما لا ادراج ثقافة اللاعنف ضمن البرامج والمناهج الدراسية وذلك بهدف سد الطريق ا مان بروز تربة خصبة وملائمة لنمو ثقافة العنف في المجتمع العربي.

واقر عدد اخر من المشاركين بان العنف ظاهرة عابرة للقارات ولم تختص بها المجتمعات العربية فقط وهي على ارتباط في جزء منها بعوامل اقتصادية واجتماعية حيث بينت العديد من الأبحاث والدراسات ان الفقر والبيئات الهشة اجتماعيا هي حاضنة مفترضة للعنف.

وذكر مشارك اخر ان سياق التحول الديمقراطي افضى الى بروز مجتمع مدني وحراك جمعياتي مدني قوي لامس في بعض الدول مستويات التغول واصبح اقوى من الدولة.

من ناحية أخرى فند احد الحاضرين حصول تحول ديمقراطي حقيقي في بعض المجتمعات والدول العربية وان الذي حصل هو بداية تحول ديمقراطي وان دخول المؤسسة العسكرية على خط الحياة السياسية في بعض الدول العربية يهدد هذا التحول وذكى منسوب العنف بل واخذ اشكال جديدة ذات خلفيات دينية وفكرية واديولوجية.

وشدد محاضر اخر على ضرورة إرساء عقد اجتماعي جديد تكون فيه الدولة في خدمة المواطن وليس العكس بما يؤسس لمقاربة جديدة في العلاقات الاجتماعية في المجتمع.

لمزيد الاطلاع