فن الحكم عبر التوافق

carep

مازال الانتقال الديمقراطي في تونس يحتاج إلى تفكير عميق في مساراته وخصوصياته وآليات اشتغاله، وفحص محتويات “التوافق” ودلالاته بما هو مقولة تحليلية لا يقتصر دوره على المجال السياسي، ويفترض أنهيشمل كل القطاعات وكافة الميادين. ضمن هذا الأفق الاستشرافي وفي سياق مقارن بين تجربتين ، تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس بعد 2011 والتجربة البلجيكية في التوافق، انتظم الملتقى التونسي- البلجيكي تحت عنوان “فن الحكم عبر التوافق، نحو بناء سياسي واجتماعي للتوافق” يومي 28- 29 أفريل 2016 بتونس، بالشراكة بين المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس ومنتدى الجاحظ وجمعية التونسيين الديمقراطيين بدول البيلونكس ومجلة (La revue nouvelle)،بهدف المساهمة في تأسيس ثقافة نظرية وسياسية واجتماعية لأوجه التوافق الممكنة.

افتتح الملتقى بالكلمات الترحيبية لممثلي المؤسسات المنظمة، تلتها محاضرة افتتاحية قدمها محمد ناشي أستاذ بجامعة لياجببلجيكيا، بعنوان ” أوجه التوافق في المجتمعات الغربية والاسلامية: بلجيكيا وتونس نموذجا”، بين فيها أن “التوافق” مفهوم حديث وأنه ذو قيمة نظرية وتطبيقية، واعتبره يفتقر الى شحنة معرفية وقيمية في الثقافة العربية الاسلامية، ويتطلب الارتقاء به مضمونيا ومنهجيا مما هو شائع الى مستوى اجرائي. حيث تعرضت أطروحته الى النقد والنقاش من بعض الحاضرين، وبينوا أن “التوافق” اتخذ أشكالا عديدة في المجتمعات العربية الاسلامية، وأن الانتظام الاجتماعي لا يمكن أن يكون خارج معايير التفاهمات والتسويات والاتفاقات.

لتنطلق بعد ذلك الجلسة العملية الأولى التي ترأسها مهدي مبروك أستاذ علم الإجتماع ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس، وحاضر فيها (Jean Faniel) مدير عام مركز الابحاث المؤسسية في العلوم السياسيةببلجيكياحول “التعدد ومنظومة التنظيم الاجتماعي والسياسي” قدم فيها قراءة تاريخية وسياسية لتجربة التوافق البلجيكية وأنماط تطورها. وعرض (Albert Bastenier) استاذ بالجامعة الكاثوليكية بلوفان مداخلة بعنوان” حياد الدولة البلجيكية وادارة التعدد الثقافي” تناول فيها مفهوم حيادية الدولة البلجيكية وأثرها في طبيعة الأدوار التي تؤديها.ليفتح باب الحوار لمناقشة التجربة البلجيكية، والتعرف على خصوصياتها التاريخية والتنظيمية والقيميةالتي مكنت من اقامة تفاهمات مستقرة بين مرتكزاتها المختلفة والمتعددة.

وخصصتالجلسة العلمية الثانية للتجربة التونسية التي ترأسها (Pierre Coopman) صحفي بمجلة (La revue nouvelle)وحاضر فيها زهير بن يوسف أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية حول ” النخب التونسية ودورها في انجاح المسار الانتقالي” أشار فيها أن النخب التونسية أنجزت دورها خلال الحراك الثوري بخلاف ما يروج من أنها كانت في الربوة. أما المحاضرة الثانية قاربت”المقدمات الضرورية لتوافق سياسي ممكن في تونس” قدمها نوفل سعيد أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية، وميز فيها بين التوافق الطوعي والتوافق تحت الضغط. وتناولت المداخلة الثالثة تفكيك مفهوم التوافق كأسلوب يعتمد جوهره على الحوار ضمن التنافس،طرحها منصف وناس أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية. ليختتم اليوم الاول للملتقى العلمي بنقاشات ثرية حول المضمون المعرفي للتوافق وسياقات تطبيقه وكيف يكون اطارا جامعا في مراحل الانتقال الديمقراطي، ومنهجية في حل النزاعات، وأثيرت قضايا ذات صلة مباشرة بالتجربة التونسية تتعلق بطبيعة الشرعية وخصوصية التوافق، ومدى صلته بالعمليات الانتخابية،ودار جدل كبير حول أولوية الشرعية الانتخابية أم التوافق الوطني الواسع في مراحل البناء الديمقراطي ، وماهي معاييرإعادة صياغة التعاقد الاجتماعي والسياسي.

وتضمناليوم الثاني من الملتقى التونسي- البلجيكي، مجموعة من المداخلات العلمية،اهتمت الجلسة العلمية الثالثة بأبعاد متنوعة من التوافق ، ترأسها صلاح الدين الجورشي اعلامي وكاتب صحفي، حاضر فيها ماجد الحمزاوي استاذ في الجامعة الحرة ببلجيكياحول ” من العقد الاجتماعي الى رفع القيود عن نموذج توافق راس المال/ العمل” واشار فيها الى تطور دور النقابات واستراتيجياتها وفق اعادة تعريف أدوارها داخل المجتمع البلجيكي.وطرحت المحاضرة الثانية لأحمد خواجة أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية مسألة بيئية في تونس لا زالت تشهد جدلا مجتمعيا وعلميا ومؤسسيا بعنوان” تهيئة سبخة السيجومي:التوافق الصعب مع الطبيعة والانسان”.

وترأس الجلسة العلمية الرابعة عبد الرزاق العياري باحث وكاتب عام منتدى الجاحظ، وقدم فيها (Mathias ELBerhoumi) باحث في جامعة سان لويس ببروكسل مداخلة بعنوان ” العقد المدرسي أو التعدد التعليمي بين الماضي والحاضر” كشف فيها ان المنظومة البلجيكية لم توحد التعليم ولا المؤسسات و انها تجاوزت المواقف الفلسفية المتضاربة،وبنت المنظومة التعليمية على التنوع وتعدد المؤسسات في تناغم مجتمعي واكاديمي مميز. وعرض محرز الدريسيمختص في علم النفس التربوي ورئيس منتدى الجاحظ مداخلة بعنوان “الاصلاح التربوي الحلقة المفقودة في التوافق الوطني” أكد فيها أن التوافق في تونس لم يتجاوز ملامحه السياسية وأنه لن يكتمل إلابتوافق وطني يشمل بقية المجالات وخاصة ميدان الاصلاح التربوي. لتنتهي الجلسات بنقاش حيوي حول الأفكار المعروضة،والتي اثارت تباينات كبيرة فيما يخص المسألة البيئية والمسألة التربوية.

ونظمت في المساء مائدة مستديرة ” المجتمع المدني: رهانات الحوار المدني والاجتماعي” أشرف على تسييرها (Baudouin Loos) مشرف صفحة العالم العربي في الصحيفة البلجيكية اليومية (Le soir)، وشاركت فيها العديد من فاعليات المجتمع المدني من بينها الرابطة التونسي للدفاع عن حقوق الانسان، وجمعية مراقبون، وجمعية عتيد، ومرصد شاهد، وشبكة أوفياء، وشبكة دستورنا ، ومركز المواطنة والديمقراطية، وشبكة التربية والتكوين والبحث العلمي، والائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية. ودار ت حوارات ثرية برزت فيه اختلافات في وجهات النظر ، في التشخيص والتقييم، مع اتفاق بين الحاضرين من أن المجتمع المدني من خلال مؤسساته وجمعياته المختلفة له وظيفة أساسية في تثبيت آليات التوافق ومراقبتها، وأن التوافق في التجربة التونسية في حاجة أكيدة للعمل الجمعياتي لترسيخ ثقافة التوافق. وأن السياسي والمدني ليسا في تضاد أو تنافس، بل في نحت مسالك العمل المشترك والتكامل من أجل أن يتحول الحوار الى ألية مؤسسية وثقافية دائمة في معالجة الاشكالات وحل الأزمات.

وشهد الملتقى تغطية اعلامية من الإعلام التونسي ونقلت أشغاله قنوات تلفزية وإذاعية عديدة، كما نشر تلخيص لأعماله في صحيفة (Le soir) البلجيكية.

لمزيد الاطلاع