تقرير تقديم كتاب الدين والسياسة في تونس والفضاء المغاربي بين الارث التاريخي واكراهات الواقع

  • image
  • image
  • image
  • image
  • image
  • image
  • image

تم يوم الجمعة 15 مارس 2019 على الساعة الثالثة بعد الزوال تقديم كتاب “الدين والسياسة في تونس في الفضاء المغاربي بين الإرث التاريخي و إكراهات الواقع”، الذي الّفه د.عبد اللطيف الحناشي وقدمه د. محرز الدريسي في اطار النشاط العلمي والثقافي ( كتاب وقضية) الذي يقوم به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تونس .
قدم المؤلف منذ الاسطر الاولى ما يطرحه الكتاب من اشكاليات حول مسالة الديمقراطية والجماعات الاسلامية وليس روابط الديمقراطية والإسلام، فالهاجس بالنسبة له ليس نظري بالمعنى المجرد أو نسقي بل موضعة الاشكال في السياق الراهن واللحظة الحالية التي تستعيد طرح السؤال بشكل دوري يجعل منه المعضلة الرئيسية في الواقع السياسي ويضفي بثقلها وظلاله على الافكار والأفعال. فالكاتب لا يُنظر بل يسعى الى التشريح والتفكيك وضخ مجموعة افكار في ساحة سياسية شحيحة ، عبر طرح اسئلة/ اشكاليات على امتداد فصول الكتاب محاولة في تدوير الزوايا.
قدم الدكتور محرز الدريسي الكتاب ماديا فيتضمن مقدمة مقتضبة لكنها مكثفة بالأسئلة المحرجة، و انه يتوزع إلى قسمين، قسم أول اعتنى بظاهرة الدين والسياسة في تونس، متضمنا أربعة فصول منفصلة المضمون، تناول فيهابالتحليل علاقة الدين والسياسة في تونس، وأنماط الحضور الديني في الفضاء العام، ومبرزا أهم أفكار وبرامج الاحزاب السياسية ذات المرجعية الاسلامية في تونس وفهم آليات عملها، وصلاتها البينية وعلاقتهابالأطراف العلمانية “التي تدعي ذلك”، وتبيان مظاهر وحدود “التحولات” الفكرية والسياسية التي عرفها حزب النهضة ما بعد الثورة. ويحتوي القسم الثاني بعنوان قضايا الدين والسياسة في الفضاء المغاربي خمسة فصول، تناول فيها ظاهرة الجماعات السلفية “غير العنيفة” في المجال المغاربي، ومستقبل الاتحاد المغاربي في ظل حكم الاسلام السياسي وتطور حركة الاخوان المسلمين في ليبيا وتقييم لاتحادالمنظمات الاسلامية في فرنسا وخاتمة عامة.
اما المضامين العلمية فتطرق الى الديناميات السياسة والدين في تونس ومن هنا قدم الدكتور الدريسي المدخل العام وفيه مقارنة ثلاثة مراحل تاريخية،فترة ما قبل الاستعمار اعتبرهاتتميز “بالفرادة” من خلال نموذج اصلاحات خير الدين التونسي،وفترة ثانية اتسمت ببروز خلافات جزئية بين السياسيين حول طبيعة الحركة الصهيونية وادماج الاقليات اليهودية في الوظيفة العمومية، وتخص المرحلة الثالثة الاستقلال وهي الفترة التي انطلقت فيها الخيارات البورقيبية، في إعادة هيكلة الحقل الديني ومؤسساتهبالاستناد الى عدد من أئمة جامع الزيتونة لانفاذ رؤيته في الاصلاح (حل الاوقاف- الاحوال الشخصية- الغاء التعليم الزيتوني).
كما اقر بان الكاتب اعتبر ضمنيا أن معضلة الديني / السياسي انطلقت مع النواة الاولى في تكون الجماعة الاسلاميةالتي يصفها “بالسلفية” في مرجعيتها الفكرية، وأنها “لم تكن ابنة بيئتها” و “لم تنهل من رصيد الفكر الاصلاحي التونسي” (ص 17).ومع ذلك يقر الكتاب بأن الجماعة الاسلامية سعت للتأقلم مع سياقها التونسي والتكيف مع الخصوصية التونسية، إلا أنها تعرضت إلى مؤاخذات عديدة من قبل النخبة متهمة النهضة بازدواجية الخطاب، وأن تطورها لم يكن تطورا ذاتيا بل تحت “ضغط الواقع السياسي والاجتماعي الوطني” (ص 17). وصولا إلى المفارقة/ القلق اليساري المتسائل عن جدوى أن يحكم البلاد حزب ذي مرجعية اسلامية في بداية القرن الواحد والعشرين ؟
يتوقف الكاتب في الفصل الأول عندالبحث عن سبب “تضاعف حضور الدين في الفضاء العمومي”(ص19)، وخاصة محاولة فك “سر” بلوغ التيارات ذات المرجعية الاسلامية إلى السلطة،وفهم الشجرة التي تخفي الغابة،مستثمرا مفهوم “الفضاء العام” ليورغانهابرماس لتحليل الحضور النوعي للاشكاليات فكرا وسياسة.وهي في صميم اشكاليات الفكر العربي والاسلامي (ثنائيات) الدين والعلمانية ، الدين والفضاء العام، الدين والعولمة، العقل والنقل ، التراث والتجديد، من خلال تناولطبيعة العلاقة بين الاعلام والدين وصلات الدين بالشأن السياسي.الذييشكل أحد أهم المعارك الفكرية والسياسية في الساحة التونسية، وتتجلى مظاهرها في الموقف من التعليم الديني، وموقع الدين في الدستور، وتوظيف المعطى الديني في الممارسة السياسية ودور الأئمة، وتوسع أشكال التدين والسلوكات الاقتصادية “في الحجاب والسبح والعباءات والجلابيب…”(ص 39). وأن امتداد العامل الديني بشكل عشوائي وتأثيره في الفضاء العمومي، يتطلب من الدولة تنظيمه بشكل لا يتعارض مع الحفاظ على الحريات العامة.
واستنتج أن اشكالية الدين والسياسة موضوع حارق في الثقافة العربية الاسلامية، بينما “حسمت” حسب الدكتور الحناشيلدى عديد الثقافات بعد أن خاضت “صراعات فكرية وسياسية طويلة” (ص 29)، وهو ما ينبغي تنسيبه – في رأينا- خصوصا مع تنامي ظاهرة الديمقراطية المسيحية ولاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية، فضلا عن تحاليل علم الاجتماع الديني.
أما في الفصل الثاني فقد تركز التحليلعلى تقديم صورة عامة عن الاحزاب ذات المرجعية الاسلامية في تونس بعد الثورة، مميزا بين مجموعتين رئيسيتين، الاحزاب الوسطية ذات المرجعية الاسلامية، والأحزاب السلفية. مستعرضا في المجموعة الأولى عينة من سبعة أحزاب اسلامية وصفها بالوسطية، وحظيت حركة النهضة بالاهتمام بأكثر من ثلاثين صفحة ( ص46- 79ص) لتشريح جسدها السياسي والتنظيمي وسياقات تطورها من التأسيس إلى الثورة، مبرزا بنيتها التنظيمية ومشيرا إلى المواصفات الثقافية والمهنية لأعضاء المكتب التنفيذي للحركة. وكشف عن تجربتها في السلطة وبعد مغادرتها، مقيما أداءها السياسي وسرد مواقفها من الدستور ودور المرأة والارهاب، وطبيعة علاقتها بالأطراف السياسية والاجتماعية والاتحاد العام التونسي للشغل وخصوصيات علاقاتها مع الأحزاب ذات المرجعية الدينية من مختلف الاتجاهات.
وضمن نفس التصنيف العام أدرج “تيار المحبة” و”حزب العدلوالتنمية” و”حزب الكرامة والمساواة” و”حزب اللقاء الاصلاحي الديمقراطي” و”الحزب الاسلامي التونسي” و”حزب الوحدة”، محددا مرجعيتها الفكرية والبرامجية ومواقفها من الحكومة الائتلافية المؤقتة ومن الدستور ومن التحالفات السياسية المنجزة، ورؤيتها الفكرية حول العلمانية والمرأة. وقد بذل المؤلف جهدا كبيرافي جمع المعلومات وتتبع التفاصيل،واشتغل كمهندس في التأليف بينها وربط جزئياتها، مما أضفى على المشهد الحزبي الوضوح اللازم.
وهو ما طبقه أيضا على المجموعة الثانية التي شملت الاحزاب السلفية، مستعرضا عينة من هذه الأحزاب، أولها “حزب التحرير”وبرنامجه السياسي والاقتصادي، ومواقفه من الديمقراطية والدستور والانتخابات، ومن العنف والارهاب واليسار.وفي فقرات بل واسطر مقتضبة عرف”حزب جبهة الاصلاح”ومرجعيته موضحا برنامجه السياسي والاقتصادي، وأرائه في مكانة المرأة وموقفه من الديمقراطية والممارسة السياسية ومسارات الحوار الوطني والهيكل النقابي والعنف وتعدد الاحزاب. وتناول بالتحليل “حزب الاصالة السلفي”و”حزب الرحمة” في فقرات محدودة برنامجهما العام وعلاقاتهما بالأحزاب واتجاهاتهما في الديمقراطية والدستور .
رغم تأكيد هذه الاحزاب على المرجعية الاسلامية تبدو الصلات ضبابية وحتى اهدافها ورؤيتها من عديد القضايا متباينة واحيانا كثيرة متناقضة،فضلا عن أنشطتها المحدودة واشعاعها المتقلص بل وعديد منها اندثر ولا يوجد له اي أثر واقعي، مما يجعل أن عمل الكاتب يقترب من التوصيف والتوثيق، خاصة وأنه لم يكشف عن معايير اختيار هذه العينة من الأحزاب دون غيرها ودون أن يبين مقاييس ادراجها في كوكبة الاحزاب الاسلامية الوسطية أو السلفية.
كما اضاف السيد محرز الدريسي بان المؤلف حاول في الفصل الثالث فهم الحضور الشيعي في تونس،و فك حالة الغموض وتتبع أصول ما وسمها “بالظاهرة” وتجلية خصوصياتها وحجم افرادها وانتشارهم الجغرافي وابرز انشطتهم ومواقفهم . وتعرض الى العوامل التي ساعدت على انتشار ظاهرة التشيع في تونس منها العوامل التاريخية القديمة،وعوامل معاصرة حددها في اواخر الستينات بعد لقاء(محمد التيجاني السماوي) في النجف مع محمد باقر الصدر والخوئي. اما السياقات الجديدة فتتمثل في التفاعل مع الثورة الايرانية والطلبة العائدين من المشرق والفضائيات الشيعية و أداء حزب الله وادبيات الشيعة التي روجت في معرض الكتاب والنشاطات المكثفةللمركز الثقافي الايراني.
وواصل مؤكدا ان الكتاب اصر على فكرة أن نظام بن على غض الطرف على الحضور الشيعي حيث تم تأسيس “جمعية اهل البيت الثقافية”،ونشطوا في هياكل حزب التجمع والكشافة. ولم يبرز نشاطهم السياسي إلا بعد الثورة، حيث تأسس حزبان يستندان إلى المرجعية الشيعية “حزب الله تونس”(سيف الدين العجيلي)، و”حزب الوحدة” ( بشير الرويسي). وامتد النشاط الشيعي إلى الأبعاد الثقافية والاعلامية، والولوج إلى في النسيج الجمعياتي مثل (رابطة التسامح التونسي)وجريدة الصحوة (هشام بوعبيدي). ووجدوا بعد الثورة هامشا مهما من الحرية لممارسة بعض العبادات والعادات المخصوصة مثل عيد الغدير والمولد النبوي ومولد السيدة فاطمة. واشتغل على حجم الظاهرة وانتشارها الجغرافي، ومع ذلك عبر عن صعوبة ضبط حجم الشيعة لاعتمادهم مبدا التقية، ولكن أيضا تحتاج الدراسة أدوات سوسيولوجية متنوعة ومنهجيات انسانية متطورة.
سعى الاستاذ الدريسي في تقديمه الى التطرق الى الفصل الرابع إلى رصد تحولات حزب النهضة ما بعد الثورة بين القناعة المبدئية واكراهات الواقع، وتساءل عن استحقاقات الانتقال الديمقراطي بعد ست سنوات. وحلل تطورات المشهد السياسي العام ضمن اشكالية التوافق/التوتر مع تشخيص التطورات التي عرفها حزب النهضة من السرية الى العلنية، وما قبل الثورةوما بعدها ، في مستوى الرؤى الفكرية ومع الجدل الفكري الذي صاحب صياغة الدستور.
هذه التحولات الفكرية والسياسية دفعت المؤلف ليتساءل هل ان النهضة “حزب المسلمين الديمقراطيين” (ص140)، مما يتطلب منها ايجاد اجابات حول اشكاليات التوافق بين الاسلام والديمقراطية وتدقيق موقفها من المدنية والعلمانية. ومع ذلك يعتقد الحناشي أن “حزب النهضة” التونسي يتميز بخصوصية في تصوراته وفي أدائه، تعودمن ناحيةإلى تراكم المكتسبات التاريخية شأن بروز المجتمع المدني منذ الحقبة الاستعمارية وتجانس قومي وديني ونبذ العنف وطبيعة البيئة الفكرية والدينية المنفتحة. ومن ناحية أخرى العوامل الذاتية التي حفزتتطورها الفكري و”استيعابها لمفاهيم جديدة حول المرأة والديمقراطية والتداول على السلطة” (ص 143)،يفسرها باستفادتها عميقا من تجربة الهجرة وانخراطها في تجربة 18 اكتوبر المعروفة، والاسهامات الفكرية لراشد الغنوشي وتجربة الحكم، كل هذه العناصر أنتجت “خطابا اكثر اعتدالا وعقلانية وبراغماتية” (ص 144)،فضلاعن “قناعة واسعة من نخب الحزب بضرورة التكيف مع الواقع التونسي” و”فك الارتباط مع التجربة الام” (ص 144).
في المقابل يوجه المؤلف موقفه النقدي من البعض من النخب التونسية الذين يتجاهلون ” الخصوصيات الفكرية والسياسية التي ميزت حزب حركة النهضة عن بقية الاحزاب المشابهة في الوطن العربي” (ص 146)، مثمنا قرارات المؤتمر العاشر الداعي إلى “التحول الى حزب ديمقراطي وطني ذي مرجعية اسلامية”،وعده “انعطافة استراتيجية تاريخية رشيدة وعميقة” (ص146)، داعيا الى عدم التردد في دعمها (ص 147)، حتى تتحول الى انموذج لبقية الجماعات الاسلامية.
توسع القسم الثاني في مقاربة قضايا الدين والسياسة في الفضاء المغاربي، حيث اعتنى فيه بالبعض من مكونات الاشكاليةالمحورية المضمنة في كامل الكتاب. إذ عالج في الفصل الأول وضمن قراءة مقتضبة مسيرة الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي عده رائد السلفية المستنيرة في المغرب العربيوحركة الاصلاح بتونس التي تأثرت بالمشرق خصوصا الشيخ محمد عبده.وعرف السلفية مفهوما وممارسة، مميزا بين أصنافها، شأن السلفية البدوية (الوهابية) والسلفية المستنيرة التي ارتبطت بالحركة الاصلاحية الاسلامية وحركة النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.مستندة إلى الرجوع لأصول العقيدة الصافية وتحرير الفكر من قيود التقليد وامكانية الاقتباس من الغرب واصلاح مؤسسات التعليم الديني كمدخل اساسي للتجديد والاصلاح الديني.
وتعرض في هذا الاطار إلى حياة الثعالبي وتطور الفكري والسياسي ومنهجهالاصلاحي في رفض التزمت ونقد الطابع المحافظ لبعض فئات جامع الزيتونة وضرورة استخدام العقل ومناهج التأويل، ودعوته الى نشر التعليم ورفض الصوفية وتحميلها وزر تعطيل تقدم الحضارة الاسلامية، وتأكيده فكرة التسامح كقيمة قرآنية ودفاعه عن المساواة وتعليم الفتيات، ولهذا اعتبره الشيخ فاضل بن عاشور ” داعيا دينيا ومصلحا اجتماعيا قبل ان يكون زعيما سياسيا” (ص 163).
وعرج في الفصل الثانيعلى التيارات السلفية المدرسية في المغرب العربي، مبرزا خارطة مقارنة للمشهد السلفي، محللا ظاهرة السلفية غير الجهادية في مساراتها وتجلياتها التنظيمية والاعلامية والدعوية والسياسية وقاعدتها الاجتماعية وعلاقاتها بالأخرين. اهتم أولا بالسلفية المدرسية وحدد مصادرها المشتركة ومساقاتها المختلفة في كل من المغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا وتونس. وكشف ثانيا على أن أهم ما يميز ها موقفها من “الانظمة السياسية او بعض الفتاوي التي تهم الحياة اليومية” (ص 175)، وخياراتها في عدم معارضة الحكام، خصوصا مع تغلغلتيارات وهابية مثل السلفية المدخلية من رموزها الجزائري محمد علي فركوس وعبد المالك رمضاني. أما السلفية غير الوهابية فقد اشتغل جزئيا على جماعة الدعوة والتبليغ وتتبع نشأتها ورموزها وحضورها في البلدان المغاربية.
وتطرق إلى صلات التيارات السلفية بالممارسة السياسية، مشيرا إلىمسألة في غاية الأهمية وهي المراجعات الفكرية التي دشنتها السلفية العنيفة في السجون المصرية لتتالى في نماذج عديدة في ليبيا وفي المغرب. ولعل “الربيع العربي” والعمليات السياسية التي أثيرت في سياقه دفع المكونات السلفية الى النظر في سبل التعاطي مع المناخ الديمقراطي. مقدما خارطة عامة عن الاحزاب السلفية منالبلدان المغاربية، وذكرعينة من الأحزاب السلفية في تونس مثل “حزب الاصالة السلفي”و”جبهة الاصلاح”،مشيرا إلى مرجعيتهما وبرامجهما السياسية و مواقفهما من الديمقراطية ومدنية الدولة وعلاقاتهما بالنهضة وبالأحزاب السلفية الأخرى.
وحرص المؤلف على اضافةبحثية طريفةتخص رصدالمواصفات الاجتماعية والثقافية للمجموعات السلفية وحجمها، مثلالصعوباتالاجتماعية والاخفاق المدرسي، واستقطابهاللفئات الشبابية بل “مراهقين” (ص 192)، وطبيعة حضورها في دور العبادة والمدارس والجمعيات، وكيفية تعاملهاخاصة مع المواقع الالكترونية واليوتيوب والقنوات الفضائية.
يتساءل الكاتب في الفصل الثالث عن مستقبل الاتحاد المغاربي في ظل حكم الاسلام السياسي؟ حيث توقف عند فكرة المغرب العربي ونشأتها تاريخيا منذ العشرينات من القرن الماضي مع “جمعية نجم شمال افريقيا” و”جمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين” وتعززت برياح “الربيع العربي”. إلا أن فكرة المغرب الكبير عدها ضامرة بصيغة متفاوتة في ادبيات الاحزاب ذات المرجعية الاسلامية،فهي شبه غائبة لدى”حزب العدالة والبناء” الليبي، على خلاف”حزب النهضة التونسي”و”حزب العدالة والتنمية المغربي” اللذان اوليا اهتماما كبيرا بالاتحاد المغاربي، وقد تجلى ذلك في خطاباتهم بعد الثورة. وتعرض فيما بعد إلى العقبات الداخلية والخارجية،متفائلابالنقاط الخمس التي أعلنت بعد الثورة في محاور سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتحييد “قضية الصحراء الغربية” واقتراح فكرة “اتحاد الشعوب الحرة المستقلة”.
وتوقف الكاتب فيالفصل الرابععندتجربة الاخوان المسلمين في المغرب العربي حالة ليبيا، إذقدم صورة عامة عن تطور الحركة منذ الاربعينيات وعلاقتها بنظام القذافي المراوحةبين التعاون والمواجهة ثم المصالحة. وتناول بالتحليل دورهم المتردد في دعم الانتفاضة، وشرح الاوضاع التنظيمية لحركة الاخوان الليبية ومواقفها الفكرية والسياسية من التنظيم الفيدرالي وطبيعة الدولة والدستور والمشاركة السياسية للمرأة وصولا الى تأسيس”حزب العدالة والبناء” والمشاركة في الانتخابات،وفسر اخفاق الاسلاميين في ليبيا بهيمنة الثقافة المحافظةوضغوطات المعطى القبلي.
وتجاوز الكاتب في الفصل الخامس الأفق المغاربي ليهتم باتحاد المنظمات الاسلامية (UOIF) الذي اعتبره الواجهة الخفية للإخوان المسلمين في فرنسا، من خلال استعراض عدد من مواقف المنتسبين السابقين او دراسات اوروبية تؤكد أنها “احدى الشبكات العابرة لتنظيم الاخوان المسلمين” او “سفارة الاخوان المسلمين في فرنسا” (ص 234). واستعرض تاريخ الاتحاد وفق مرحلتين، المرحلة الأولى من (1979-1985) والمرحلة الثانية من (1985- 1991)،ويرى أن هيكلته “تتوافق مع الهيكلة التنظيمية العامة للاخوان المسلمين” (ص 240) وتدعمه شبكات جمعياتية تضم اكثر من 250 جمعية منها “الشباب الاسلامي الفرنسي” و” الطلبة المسلمين الفرنسيين” و”الرابطة الفرنسية للمرأة المسلمة” و”لجنة دعم فلسطين” و”جمعية ابن سينا للأطباء” و”جمعية ائمة فرنسا” والمجلس الاوروبي للإفتاء والبحوث وغيرها.
وهي شبكة مؤثرة في “هيئة المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية” وتلعب دور الوسيط بين الجاليات المسلمة والدولة الفرنسية، وتتلقى دعما من الدولة الفرنسية ويسمح لها بتنظيم الملتقى السنوي بورجيه، وادمج عضوين بارزين هما عبد الله منصور وعمار الاصفر في مجلس التفكير حول الاسلام في فرنسا من قبل بيار جوكس وزير الداخلية الفرنسي الأسبق. إلا أن ما يمكن مناقشة الكاتب فيه وصم الاتحاد بالانتماء الاخواني وهو ما فنده كل من الاعلامي (Vincent Geisser ) والمفكر ( Patrick Haenni) اللذان اعتبرا أن هذه الشبكة ساهمت في تحصين شباب الجيل الثاني من الالتحاق بالجماعات الارهابية.
وانتهى الدكتور الدريسي بان خاتمة هذا المولود العلمي تجسم الموقف المتردد للباحث بين ما يوجهه من نقد لظاهرة الاسلام السياسي بوجوهها المختلفة وحرصه على التمشي الموضوعي ورؤيته الاصلاحية في كتابه تتيح “استنباط طرق افضل للتعامل معها واستشراف حاضرها ومستقبل توجهاتها وقدراتها وامكانياتها على المستوى القريب والمتوسط” (ص 249)، ومدى اهمية وخصوبة وجود احزاب ذات مرجعية اسلامية في الاستقرار السياسي وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها.

فسح المجال فيما بعد الى الحضور الذي تفاعل مع ما ورد في الكتاب و ما التقديم لإبداء جملة من الملاحظات وجدير بالذكر أن المركز دأب على تقديم الكتب التي تتميز بمواصفاتها الاكاديمية أو التي تثير حوارًا وأسئلة بهدف الارتقاء بموضوعاتها إلى مصاف الحوار العقلاني العلمي، ولا يتبنى بالضرورة مضامين الكتب المراجعة أو الردود عليها. فالهدف هو تمكين المهتمين بهذه القضايا الشائكة من إجراء حوار علمي موضوعي دون اصطفافات مسبقة.