تقرير حول مناقشة كتاب ” الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدّولة الإسلامية.

في إطار برنامجه الرمضاني المعتاد نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس، مسامرة رمضانية انتظمت مساء يوم 05 جوان 2018 ، وكان موضوعها تقديم كتاب “الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية” للدكتور عبيد خليفي، ويحتوي الكتاب على 556 صفحة.

وافتتح المسامرة السيد مهدي مبروك مدير المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية. تونس مرحبا بضيوف المركز ومؤكّدا على أهمية تقديم الكتب الصادرة حديثا خصوصا حين تتناول مواضيع تهم الرأي العام و تشكل مبحثا يهم النخب الفكرية والسياسية معا.

و حضر المسامرة جمهور هام من الجامعيين والباحثين المختصين والباحثين الشبان.أحال مدير المركز بعدها الكلمة للدكتور محمد الرّحموني (أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية) لمناقشته.

اعتبر الدكتور “محمد الرّحموني” الكتاب موسوعة لتاريخ الحركات الجهادية السنية منذ الفتوحات الإسلامية إلى تنظيم الدولة الإسلامية، كما ثمّن جُهد الكاتب الذي أفلح حسب رأيه في ثلاث نقاط أساسية  وهي الموضوعية الشمولية من ناحية الفترة الزمنية وتعدد المصادر والمراجع والوثائق التي اعتمدها. وقد تناول مسألة تأصيل مفهوم الجهاد باعتماد مقاربة تاريخية نقدية ساهمت في الكشف عن عدة أبعاد لهذا المفهوم ارتبطت أساسا بالثقافة العربية وبتاريخ التشريع الإسلامي المرتكز على “النص القرآني” و” السنة النبوية”  و انتاجات فقهاءه على مر الزمن. حيث يعتبرالكاتب أن مفهوم الجهاد يستند إلى مشروعية دينية إسلامية للعنف العربي البدوي، ذلك العنف الذي أفرزته إكراهات المجال الجغرافي وسياقاته التاريخية القائمة على الغزو والعنف من اجل الماء والكلأ والنساء. وقد تعددت أبعادا هذا المفهوم لتشمل أبعاد رمزية  مثل الجهاد بالأموال والأنفس متجاوزا مجرد القتال والحرب. وعلى مستوى الواقعي والعملي فقد ارتبط هذا المفهوم  بالعائلة الحاكمة( الأموية، العباسية، العثمانية) و بالدولة التي كانت ترعاه وتحدد مساراته وأهدافه.

يرى الكاتب أن اعتماد المقاربة التاريخية النقدية لدراسة الجهاد والجماعات الجهادية الإسلاميةمكنه من استخراج ثلاث أجيال جهادية. يتمثل الجيل الأول في جيل النهضة وجيل المفكرين والمصلحين  الذي ظهر بعد الموجات الاستعمار الغربي للدول العربية الإسلامية، والذي جاء بمفهوم جهاد العقل والفكر والتنوير  والتحفيز لتطوير المجتمعات في محاولة لمحاكاة المجتمعات الغربية. هنا تنصل مفهوم الجهاد في بعده الحركي من معاني القتال والغزو في مواجهة من أجل الشرك أو الكفر  التي رافقته طيلة قرون، ليرتبط بالبعد التنويري وبمعاني مكافحة التخلف والفقر  في محاولة  من رواد الفكر في العالم العربي بالنهوض بواقعهم والتخلص من “المؤسسة الدينية الكلاسيكية ” التي أصبحت تمثل عبئا على المجتمع والدولة.وقد عرف مفهوم الجهاد في ها الجيل تطورا، فمن جهاد القلم والاجتهاد مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده و عبد العزيز الثعالبي، إلى جهاد السيف والدعوى والجماعة والدولة مع أبو الأعلى المودودي وحسن البنا وحمد عبد الوهاب.وقد تولّدت عدة أطياف سياسية تتبنى هذا الطرح منها “الإخوان المسلمون” و “الحركة الوهابية”.

أما الجيل الثاني فقد تبنى طرح السيد قطب للجهاد باعتباره وسيلة للتغير بعد ما حلّ بجماعة الإخوان المسلمين في مصر من صعوبات وتضييقات اثر مواجهتها مع النظام الحاكم حيث عرفت الصحوة الإسلامية  تحولا من حركة فكرية سياسية عالمية إلى حركة جماهرية عامية تهدف لنصرة جماعات وأقليات دينية. حيث تطورت إلى إسلام حركي يتبنى مفهوم جهاد القتال لتحقيق مشروع سياسي والوصول إلى الحكم. لتصبح أرض خرسان ( أفغانستان) الملجأ لتحقيق التغيير المنشود ولكن على مستوى إقليميا أولا ودولي ثانية بزعامة ” عبد الله عزام” الذي حوّل كلام السيد قطب في كتابه “معالم في الطريق” إلى أفعال وغزوات و “جهاد مقدّس للذوات” حسب تعبير الكاتب، والذي انتهى بالاقتتال والتنازع على السلطة بين الجهاديين أنفسهم بعد ذلك. فالجيل الثاني خيّر الهجرة لتحقيق التغيير والوصول للحكم عبر تأسيس لجهاد عالمي ومحاولة عولمته متبنيا نظرية قتال العدو  البعيد بدل القريب، ليصبح ذلك العدو البعيد مباشرا وواضحا إثر أحداث 11 سبتمبر 2001، في عملية أشبه بتبرير عنف الطرفين؛ للجهاديين من جهة كردة فعل على أحداث فلسطين والعراق وللولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى على الأراضي الأفغانية لمحاربة الإرهاب كرد فعل على تفجير برج التجارة العالمي. انتقلت حركة الجهاد من بلاد خرسان إلى المشرق العربي في العراق تحديدا لتكون ثورات الربيع العربية مرحلة مفصلية لولادة الجيل الثالث من الحركة الجهادية.

وبالنسبة للجيل الثالث الذي يسميه البعض الجيل الثاني لتنظيم القاعدةوالذي انبثق عن الجيل الأول بزعامة عبد الله عزام وأسامة بن لادن  الذي تبنى أطروحة مركزية العمل الجهادي في أرض خرسان لفك الحصار على فلسطين واراضي المسلمين والثأر من الدول العظمى، فقد كانت انطلاقة الجيل الثالث إثر  تفكك تنظيم القاعدة و تهدّم مشروعه القاعدي، لينتقل الجهاديين إلى العراق والسودان وغيرها من الدول و يتحول الجهاد من جهاد المركز إلى جهاد الأطراف ومن جهاد الكل إلى جهاد الأجزاء.  وقد أعاد تجميع شتاته اثر حرب العراق 2003، حتى تكّون المثلث السني العراقي كمحاولة لبناء قاعدة مركزية لإدارة الصراع وإعادة بناء تنظيم القاعدة على غرار سابقتها في أفغانستان. حيث عمد هذا الجيل لاستقطاب الفئات الشبابية التي تعاني من التهميش باعتماد نظرية المقاومة الإسلامية باعتبارها منهجا للتفكير ورؤية عملية شاملة. ليتحول الجهاد من جهاد جماعة وإمارة إلى جهاد دولة تبحث عن مشروعية تواجدها عبر مشروع الخلافة.

ويرى الكاتب أنه من الضروري التعامل مع الظاهرة الجهادية بموضوعية وعدم ربطها بالإسلام فحسب. فبروز ظاهرة الجهاد ارتبط بروح المقاومة لمظلمتين الأولى وطنية والثانية تتمثل في الغزو الخارجي. لذلك فإن الكاتب يؤكّد على ضرورة دراسة الظاهرة بعيدا عن التجاذبات الإيديولوجية وذلك بالرجوع الدقيق والرصين في تحليلها إلى أبعادها المعقدة والمركبة وخصوصا “فقه الجهاد” كما تشكّل في الموروث الديني ومعالجة هذه الظاهرة وفق مقولة تاريخية التنزيل والتلفظ.

هذا وتم فتح باب النقاش للحضور وتم طرح عدة نقاط متعلقة بـــ:

  • منهجية البحث المعتمدة، حيث اعتمد الكاتب مقاربة منهجية نقدية مرتكزا على تقنية نقد الوثائق التاريخية وتحليل مضمون الخطابات والبيانات الصادرة عن الجماعات الجهادية.
  • ضرورة تداخل الاختصاصات العلمية لدراسة الظاهرة الجهادية باعتبارها ظاهرة اجتماعية كلية ومتعددة الأبعاد بالمعنى الذي صاغه مارسال موس للظاهرة الاجتماعية.
  • خصوصيات الحركات الجهادية في المنطقة العربية رغم تبنيها منطق جهاد القتال.

هذا ولم يخلو النقاش ببعض الانتقادات التي وجهها الحاضرون حول إغفال الكاتب اعتماد الكاتب الدراسات السابقة التونسية للظاهرة الجهادية علاوة على إسقاط البعد التاريخي الشيعي من التحليل واقتصاره فقط على التاريخ السني.