تكريم المفكر التونسي الدكتور هشام جعيط

  • image
  • image
  • image
  • image
  • image

نظم المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات . تونس يوم الجمعة 06 ماي 2016 بنزل أفريكا يوما دراسيا تكريما للمفكر التونسي هشام جعيط و تضمن قراءات في فكر هشام جعيط “خلاصة نصف قرن من البحث العلمي1965-2015”. افتتح اليوم الدراسي السيد مهدي مبروك مدير المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات.تونس مؤكدا أن الدكتور هشام جعيط له خصالا وفضائل عديدة علينا جميعا بشكل مباشر سواء جلسنا أمامه طلابا في رحاب الجامعة أو تتلمذنا عليه من خلال ما قراناه من أعماله أو من خلال مرافقته في مشواره المهني والبحثي الطويل. و يسعى المركز أن يؤسس تقاليد تكريم الرموز والأعلام في حياتهم

و أشار أن الرجل كان منحازا لقيم الحقيقة والعقل والحرية، وعزز انتماءنا إلى هويتنا وحفزنا على معرفة الحقيقة وصالحنا مع تاريخنا دون انغلاق او تفسخ. وقال : «نحتفل اليوم بعيد ميلاد جعيط الثمانين على طريقتنا الخاصة راجين له موفور الصحة والعافية. واعتقد أننا نحتاج إلى الكثير من قيم العرفان للدكتور هشام جعيط وغيره من أسماء النخبة التونسية التي لمعت في فضاء الفكر الإنساني واستطاعت في سياقات مخصوصة أن تضيف للمعرفة في مباحث لازالت تثير أسئلة ولعل أهمها على الإطلاق الإسلام المبكر، الشخصية العربية، العلاقة مع الغرب وهي المباحث التي استغرق فيها الأستاذ جعيط الجزء الأكبر من حياته العلمية”.

بعد ذلك ، قدّم لطفي بن ميلاد،أستاذ التاريخ الوسيط مداخلة عنوانها “هشام جعيط: اليوم وأمس….منذ نصف قرن” احتوت على قراءة في مجمل أعمال جعيط، بين فيها أنّه “انخرط في مشاغل الثقافة العربية منذ الستّينيات دون أن يحظى بدراسة شاملة”. وتحدّث أيضاً عن تأثير هيغل وفيبر وفيرهاوزن في أعماله، معتبراً أن أهم ما قدّمه جعيط أنه كشف أن لدينا مشكلة مع الحقيقة، و أننا نتعامل معها معاملة حربية.
انقسم اليوم الدراسي إلى ثلاث جلسات علمية:

تمحورت الجلسة العلمية الأولى حول “هشام جعيط مجددا في مباحث الاسلام المبكر” ترأستها الدكتورة حياة عمامو عميدة كلية العلو م الانسانية و الاجتماعية بتونس و شارك فيها بمداخلات ثرية: كل من الدكتور نبيل خلدون قريسة أستاذ تاريخ الإسلام الوسيط بعنوان “قراءة في كتب السيرة”للأستاذ هشام جعيط تضمنت الإشادة بقدرته على استيعاب أعمال الآخر و سعيه لدعم الرافد التونسي و نقده التاريخي الجريء، ولكن نقده لا يعني الإلغاء وانه لم يكن عدميا مثلما يعتقد البعض من قرائه المتسرعين، بل كان مغرما بالبطل المؤسس ومن هنا جاء اهتمامه بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام.قائلا أن «أسلوب جعيط مميز بعيد عن الأحكام الأخلاقية وملتزم بالعقلانية لا يهتم بما يقوله منتقدوه ولكنه يطالبهم بتقديم البديل”.

على إثره تدخل الدكتور عبد الحميد فهري أستاذ تاريخ الإسلام حيث قدم قراءة جديدة في مفهوم الفتنة التي سحب منها جعيط المعاني الأخلاقية وادخلها إلى التاريخ وأخرجها من الذهنيات الدينية، وقال “أن صفين هي لحظة فارقة في تاريخ الإسلام ..لحظة محاولة التصدي للاستبداد وللسلطة الواحدة وتشظّي السلطة وبروز تعددية الاستبداد.. الفتنة وصفين منعرج حقيقي في فهم الإسلام”.

أما الجلسة العلمية الثانية تمحورت حول “هشام جعيط مؤرخا للغرب الاسلامي” ترأسها الدكتور محمد حداد أستاذ تاريخ الفكر العربي الإسلامي الوسيط. و شارك فيها كل من الدكتور محمد حسن أستاذ تاريخ المغرب الإسلامي الوسيط بمداخلة عنوانها “هشام جعيط مؤرخا للغرب الإسلامي: الإشكاليات و الآفاق الممكنة”. و تحدّث محمد حسن عن كتاب “تأسيس الغرب الإسلامي”، الذي قام فيه هشام جعيط بتبئير الامتداد الجغرافي للإسلام من زاوية سياسية ديمغرافية حضارية راصداً هجرة القبائل العربية في المجال الجديد الذي أحدثه الإسلام، كما رصد تبلور القطيعة بين المشرق والمغرب، وكأن المغرب الإسلامي لم يتأسس إلا لينفصل عن المغرب. و استنتج أن “دراسة المغرب الإسلامي كتطوّر مجالي كان من مستحدثات البحث التاريخي.

بعد ذلك تدخل الدكتور لطفي بن ميلاد أستاذ التاريخ الوسيط و قدم مداخلة تحت عنوان ” الغرب الإسلامي ما بعد التأسيس….مراجعات مفهومية حول حقبة العصر الوسيط”.

تناولت الجلسة العلمية الثالثة “قضايا الثقافة و التفكر عند هشام جعيط ” و ترأسها الدكتور محمد حسن، و شارك الدكتور فتحي التريكي: أستاذ مميز في الفلسفة بمداخلة تحت عنوان “ثقافة الهوية و التحديث” مبرزاً الصبغة الفلسفية لأعمال هشام جعيط بما أنه ساهم في طرح إشكالي لقضايا مثل الحداثة والحرية والوعي معتبراً أن الطرح الذي قام به لم يتسم فقط بالوضوح والتعقل، بل أيضاً بجرأة وصراحة مولّدَين للجديد وغير المنتظر. يربط فتحي التريكي مشروع جعيط بتوجّهات جيله، إذ يرى أنه من القلة التي لم تسقط في جعل رد الفعل تجاه الحداثة سقوطاً في التراث، وأنه رأى مثل فرانز فانون أن إقرار الهوية عنصر من عناصر المقاومة، ففكرة الهوية لها دورها الاستراتيجي ضد الهيمنة المركزية، لكنها لا تعني بحثاً في التراث فقط وإلا جرّتنا إلى ما قبل التكنولوجيا وما قبل الحداثة.

إثر ذلك عرض الدكتور محمد الحداد أستاذ تاريخ الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر مداخلة “هشام جعيط و التيار النقدي في الثقافة العربية المعاصرة” محيلا إلى مقالا “أيها المسلمون لقد صدر كتابٌ لهشام جعيط” حيث أنه فوجىء بأن كتاب “السيرة النبوية” لم يجد أي صدى، لا مع ولا ضد، و”كأنما صدر قرار بالتآمر ضدّه بالصمت، هذا الصمت الذي تبدو نتائجه أشد وأبقى في قتل التفكير” حسب محمدالحداد.

في آخر محاضرة، قدم الدكتور نادر حمامي أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي الكلاسيكي مداخلة بعنوان “……اشكالية-الازمة-في كتابات المفكر هشام جعيط” حيث أشار أن هشام جعيط عاد إلى أسئلة فقدت عمقها بمقاربات جديدة، كما هو الحال مع استخدام مفهوم الأزمة الذي أصبح معه أداة وليست فقط توصيفاً، وصولاً إلى اعتباره أن الأزمات هي محرك دافع للتاريخ من خلال مقولته “التاريخ يتحرّك في أحلك فتراته” أي أن الأزمة دليل على التحرّك، مما يعطي بعداً تفاؤلاياً لمشروعه التاريخي والفكري.

تم فتح باب النقاش للحضور الغفير الذي تناول فيه عدد من طلبته إشكالياته الفكرية و بعضا من الذكريات
ثم أحيلت الكلمة في الختام إلى المحتفى به الدكتور هشام جعيط حيث عرج إلى سنوات البحث إلى سنوات البحث الأولى، وذكر أنه حاز فيها على نصيب من الاهتمام في فرنسا حيث كتب حول أبحاثه المستشرقون والمؤرخون مثل بارك ودوبييه، لكن دراساته اللاحقة في التاريخ لم تلق أي صدى من النقد العلمي في الغرب.

و يفسر ذلك بقوله “يبدو أن هناك من انزعج من أن يدرس عربي مسلم الدين الإسلامي بأدوات علمية وأن يعود إلى أسس الحضارة الإسلامية ويقدّم فيها مقولاته، كما أنني انتقدت البعض منهم”. و رأى هشام جعيط أن “كتاب السيرة” يمكن القول معه أن الاستشراق قد انتهى، وعاد البحث في التاريخ الإسلامي للشرقيين.
أما عن بداياته المعرفية، فيقول: “اهتممت بدراسة التاريخ في شبابي بعد أن كنت ميّالاً إلى دراسة الفلسفة، ثم اعتبرت أن التاريخ يضم المعارف الأخرى. رأيت نقصاً في الكتابة عن الإسلام التأسيسي، ومع العودة إلى المصادر وجدت مثلاً في قضية الفتنة تعدّداً للروايات فتشجّعت على فحص المصادر حول الإشكالية الكبرى التي تولّدت عنها الفرق الإسلامية”.

و اعتبر هشام جعيّط أن سنوات التدريس أتاحت له من الوقت للاهتمام باختصاصات أخرى في العلوم الإنسانية مثل التحليل النفسي وعلم الأديان والفكر الإسلامي وخصوصاً محمد إقبال، كما أشار إلى أنه أصر على أن لا يدرّس إلا ما هو في مجاله البحثي ووازى ذلك تطلّع للتفكير في الحاضر.

وأبرز أن ما كان سائداً في الجامعة التونسية هو الاهتمام بالمسار الوظيفي وظل البحث العلمي هامشياً، وهذه من سياسات الدولة معتبراً أن جدالاته الفكرية العربية حدثت في باريس أين التقى أنور عبد الملك وعبد الله العروي ومحمد أركون.

وحول الكتابات الفكرية، يقول “أرى أننا نعيش أزمة مخاض. العالم الإسلامي يركض وراء إعادة تأكيد موقعه في العالم المعاصر، وداخل هذا التأكيد ثمة متناقضات فكرية وسياسية وثقافية فهو في “أزمة تولّد” لا نعرف ماذا سيحدث من ورائها”. ويعتبر أن دعوته الرئيسية من وراء أعماله أننا ينبغي أن ندخل في التاريخ الكبير المعاصر
في نهاية حديثه، عاد إلى مسألة تلقي أعماله، يقول “ما حصل معي هو أن كتاباتي حازت سمعة طيبة لكنها لم تُقرأ” وبنوع من المرح، يختم “أعرف أكثر مما كتبت. أعتبر نفسي لم أكتب كثيراً، إذ لم يسمح لي الوقت بالكتابة في كل ما أهتم به ولعلي لست قادراً”.

تغطية دار الصباح

لمزيد الاطلاع