الأنظمة الصحية، الرعاية الاجتماعية والعدالة الصحية

sys sante11

انعقدت يوم الجمعة 08 ماي 2020 بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس مائدة مستديرة حول “الأنظمة الصحية، الرعاية الاجتماعية والعدالة الصحية”.

افتتح مدير المركز السيد مهدي مبروك المائدة مرحبا بالمشاركين ومتابعي المائدة المستديرة على قنوات التواصل الاجتماعي، مبيّنا أن هذه المائدة تمثل الحلقة الثانية من سلسلة اللقاءات التي ينظمها المركز والتي تحمل عنوان “أن نفكر في زمن الكورونا”. كما أكد أن اختيار الموضوع تمّ من خلال الانطلاق من جملة من الفرضيات وهي أن مواجهة الجائحة تمت بالاعتماد على مقاربات متعددة، لم تتحكم فيها الإمكانيات المادية فقط بل حدّدتها جملة من العوامل المختلفة. وأضاف أن الأنظمة الصحية ومسألة الحماية والرعاية الاجتماعية وقضية العدالة الصحية عند مقارنتها في سياق تجارب بعض الدول الأوروبية والعربية مثلا  تطرح عدة أسئلة وفرضيات حول  كيفية تفاعل أنظمة الرعاية الاجتماعية مع مجابهة الوباء، وموقع العدالة الصحية في هذه الجائحة. كما بيّن أن الاطلاع على تاريخ السياسات الصحية يبرز نوعين من البراديغمات، البراديغم البيو-طبي وهو ينظر لمسألة الوباء على أساس أنه اختلال يصيب الأفراد، والبراديغمالجماعوي  الذي تم اعتماده منذ ثمانينات القرن الفارط وهو بصدد النمو وفحواه أن الأوبئة والأمراض هي ظواهر اجتماعية تصيب الجماعات، تستدعي نوعا من المقاربات المختلفة التي تحفز مسألة القيم، التمثلات، شبكات التضامن الخ… . ثم أحال الكلمة إلى المشاركين.

مداخلة السيد شهاب بالريانة، أستاذ في كلية الصيدلة ومدير عام المخبر الوطني لمراقبة الأدوية:

”  كيف استجاب وتفاعل النظام الصحي التونسي مع الوباء؟”

تطرق السيد شهاب في بداية مداخلته لتاريخ النظام الصحي ومكونات المنظومة الصحية بتونس والتي تتكون أساسا من وزارة الصحة وإداراتها المركزية التي تقارب 18 إدارة مركزية، و24 إدارة جهوية. وبيّن أن هذه  المنظومة العلاجية تحتوي على ثلاثة خطوط كبرى: خط أول متكون من  قرابة 2200 مركز صحة أساسية “المستوصفات” و 109 مستشفى محليا، خط ثان متكون من 35  مستشفى جهوي موزعة على كامل تراب الجمهورية، خط ثالث متكون من المستشفيات الجامعية “المؤسسات العمومية للصحة”  مرتبطة بالجامعات (كليات الطبّ خصوصا) ولها دور علاجي متقدم نسبيا من حيث المستوى، ودور في التكوين والبحث. وأضاف أن لهذا ما يقابله من قطاع خاص حيث تكوّن العيادات والصيدليات والمستشفيات الخاصة شبكة موزعة على كامل تراب الجمهورية وتسدي أيضا خدمات صحية مختلفة. وأردف أن المنظومة الصحية تحتوي على برامج ظرفية، وأخرى سارية المفعول على مدى سنين، مثل البرنامج الوطني للتلقيح، برنامج مقاومة التدخين، برنامج مقاومة المخدرات، برنامج الصحة الإنجابية…  وهي برامج وطنية تموّل سنويا وتقوم بمتابعتها الإدارات المعنية بالأمر بوزارة الصحة. وأضاف أنّ من مكونات المنظومة الصحية أيضا هياكل التكوين والتي توفر الموارد البشرية والمتكونة من 4 كليات الطب، كلية الصيدلة، كلية طب الأسنان، إلى جانب 20 مدرسة 20 مدرسة موزعة بين مدارس مهنية للصحة ومدارس عليا لتقنيي الصحة ومدارس عليا للممرّضينمهنية للصحة ومدرسة عليا لتقنيي الصحة، مدرسة عليا للممرضين. وأقرّ أن جودة التكوين معترف بها عالميا وكان لها دور كبير في مجابهة الجائحة لوجود خبراء وإطارات ذوي كفاءة عالية في وزارة الصحة .

تطرّق السيد شهاب بعد ذلك إلى مراحل تحول النظام الصحي في تونس والذي قسّمه إلى ثلاث فترات: الفترة الأولى من بداية الاستقلال إلى أواخر الثمانينات وهي فترة البناء، الفترة الثانية من بداية التسعينات والتي مثلت الفترة الإصلاحية والمرحلة الثالثة وحدّدها مع تأسيس الصندوق الوطني للتأمين على المرض (تأسس سنة 2004 ودخل حيز التنفيذ سنة 2007). ثم برزت الفترة الثالثة بعد الثورة والتي بينت عيوب ومشاكل القطاع الصحي بتونس خاصة في ما يتعلّق بالتفاوت بين الجهات ومشاكل  تمويل الصحة إذ يتحمل المواطن 38% من نسبة تمويل الصحة في حين يجب أن لا تتجاوز هذه النسبة 20% حسب المنظمة العالمية للصحة.

في تفسيره للنجاح النسبي لتونس في التحكم في الوباء بالرغم من النقائص المذكورة بين السيد شهاب أن وجود البنية الأساسية من مستشفيات ومعدات في الغالب، وتوفر إطارات ذوي كفاءة لمواجهة الوباء مثل العوامل الرئيسية التي ساهمت في السيطرة النسبية على الوباء. كما ذكر بعض الفرضيات التي انتشرت لدى العديد من الدول منها أن اللقاح ضد السّل يحمي من الفيروس والحمية المتوسطية (من حبوب وزيت الزيتون والسمك) الفيتامين “د”… يمكن أن تمثل عوامل تعزز مقاومة الفيروس وهي فرضيات في طور البحث للتحقق منها. وأكّد أن العامل الحاسم الذي ساهم في النجاح في السيطرة على الوباء هو الاختيارات الصائبة في عدة مجالات: الاختيارات الطبية والعلمية “كرخص استثنائية لاستعمال دواء ضد الملاريا “. التكفل بالمرضى، استعمال وتوظيف كل الطاقات البشرية والمادية التي أثبتت قدرتها على مجابهة هذه المحنة. كما أن وجود المرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة والذي تأسس سنة 2005 لمجابهة هذه الأنواع من الأمراض والأوبئة الجديدة كانت له مساهمة كبيرة. أيضا تنظيم العمل وذلك عن طريق مجلس علمي والذي يقوم بالاختيارات العلمية، ومجلس وطني لمكافحة الوباء على مستوى الحكومة والذي يقوم دوريا باجتماعات وتكون قرابة 8 لجان في الوزارة للاهتمام بالموضوع يعملون بصفة مستمرة. والاستعداد في كل مرحلة من الوباء لمجابهة المرحلة الموالية. كما أن اتخاذ قرارات استباقية في وقت مبكر كان له فاعلية كبيرة كقطع الرحلات الجوية، الحجر الصحي الشامل، حظر الجولان. أيضا دور المجتمع المدني ومجمل المواطنين الذين احترموا الإجراءات المتخذة ووسائل الإعلام …

وفي ختامه لمداخلته بيّن السيد شهاب أنّ الجميع، خلال هذه الجائحة، كانوا سواسية أمام التدابير المتخذة وكانت المؤسسات جاهزة لاستقبال المرضى مما أرسى نوعا من العدالة الاجتماعية التي فرضها الوباء.

 : مداخلة السيد بدر السماوي خبير في نظم الحماية الاجتماعية

“الحماية الاجتماعية في اختبار الكورونا “

بين السيد بدر السماوي أن منظومة الحماية الاجتماعية في تونس تعتمد على آليات كآلية  التأمين أو ما يسمى بالضمان الاجتماعي، والذي يتكون من  ثلاثة صناديق تتصرف في هذه الأنظمة المهيكلة القانونية والإجبارية: الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية للقطاع العمومي، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ويتصرف في أنظمة الضمان الاجتماعي والتقاعد في القطاع الخاص وثالثا الصندوق الوطني للتأمين على المرض في القطاعين العمومي والخاص. وتضم هذه الصناديق ما يناهز 6 ملايين ونصف من أفراد الشعب التونسي. وأضاف أنّه مع بداية الدولة الوطنية وقع إرساء منظومة حماية اجتماعية متقدمة: سنة 1957 نظام التعويض عن الأضرار الناتجة عن  حوادث الشغل، سنة 1958 الصندوق المركزي للمنح العائلية، سنة 1959 الصندوق الوطني للتقاعد، سنة 1960 الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والذي يعتبر أكبر صندوق ويضم حاليا عدة فئات اجتماعية منخرطة  في الضمان الاجتماعي، وهي آلية تعتمد على المساعدات والتضامن الاجتماعي وتسيّرها وزارة الشؤون الاجتماعية وتنقسم بدورها إلى صنفين:

  • الصنف الأول يضم الفئات الأشد فقرا (نسبة الفقر حاليا 2 بالمئة  منها 2.9 بالمئة فقر مدقع) والتي يتصرف فيها البرنامج الوطني لإعانة العائلات المعوزة تقدم هذه الآلية العلاج المجاني في المستشفيات العمومية ومنحة شهرية قدرها 180 د إضافة إلى المنح حسب الأطفال المتمدرسين ومنح ظرفية. تنتفع بهذا البرنامج 285 ألف عائلة وهم  أصحاب “الدفتر الأبيض”.
  • الصنف الثاني هم أصحاب “الدفتر الأصفر” ويتعلق بالفئات محدودة الدخل وتضم 623 ألف عائلة تمكن من العلاج بالتعريفة المنخفضة بالمؤسسات العمومية للصحة .

في تحليله للصعوبات والمشاكل التي وقعت أثناء فترة الحجر بين  السيد بدر السماوي أن هذه الفئة من الصنف الثاني طالب المسجّلون منهم  والذين  لم يقوموا بتحيين ملفاتهم بالمنحة 200 د التي فرضتها الدولة (340 ألف ملف فقط محين مقابل 623 ألف) لذا احتج الكثير منهم لعدم قدرتهم على التحصّل على هذه المنحة، ولمعالجة الأمر قررت الحكومة تسليم استمارات لهذه الفئة على أمل استكمال العدد المتبقي إلا أنها فوجئت ببلوغ عدد الاستمارات مليون و 500 ألف مطلب ووصل إلى حد الأسبوع الماضي إلى ما يناهز مليوني استمارة. ولم يتم إصدار شروط الانتفاع إلا يوم 15 أفريل وهو أخر يوم لدفع المطالب .

أما عن السؤال كيف واجهت الحماية الاجتماعية الوباء؟ فقد أكد المتدخل أن القطاع الطبي العمومي واجه بجهد كبير الجائحة. ولكن المشكل يقع على مستوى التعويض عن الدخل التي تتحمله منظومة الحماية الاجتماعية خلال فترة الحجر. بالنسبة لموظفي الدولة فلقد وقع الإبقاء على أجورهم. أما بالنسبة للقطاع الخاص وقع إعلان عن تعويض قيمته 200 د تصرف لأعوان المؤسسات الخاصة التي اعترضتها صعوبات اقتصادية بسبب الحجر، ولكن  إلى حد اليوم لم تصرف أية منحة ظرفية واستثنائية نص عليها المرسوم عدد 4 الصادر يوم 14 أفريل والأمر الحكومي 164 الصادر في نفس اليوم. وأضاف أنّ من بين العراقيل  التي تعرضت لها مسألة الحماية الاجتماعية هي الإقصاء إذ أن هناك فئة ثالثة وقع إقصاؤها قانونيا وعمليا تتمثل في العاطلين عن العمل، القطاع الموازي، الفلاحين(الذين يعملون بصفة موسمية لدى عدة مؤجرين).

في ما يخص  الحلول المقترحة يرى السيد بدر أن الإشكال يتمثل في عدم اعتماد إلى حد الآن مقاربة حقوقية إذ أن هناك عدة قرارات دولية تنص على الحق في الحماية الاجتماعية مثال  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 الفصل 22، الاتفاقية الدولية عدد 102 لسنة 1952 المتعلقة بالمعايير الدنيا للضمان الاجتماعي، العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966، وعلى المستوى الدولي التوصية 202 لمنظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2012 المتعلقة بإرساء الأرضية الوطنية للحماية الاجتماعية وأخيرا الدستور الذي ينص في فصله 38 على الحق في الحماية الاجتماعية. هذه الحلول يمكن أن تفتح أفاقا لتجاوز الأزمة. وفي ختامه لمداخلته أضاف السيد بدر السماوي أنّه بالنسبة للتمويل هناك تصورات لإرساء الوضعية الوطنية في تونس أو العالم وهو تخصيص جزء من الناتج الداخلي الخام للأرضية الوطنية .

مداخلة السيد أيمن البوغانمي، أستاذ الاقتصاد السياسي وباحث بالجامعة التونسية:

”  أهمية تواجد مقاربة اقتصادية لمواجهة الوباء”

استهل السيد أيمن في بداية مداخلته بمثال من حياته الشخصية (مرض والدته) مبينا أن هناك ممارسات تحدث يوميا وتجعل الشخص مضطرا للتعامل مع اختيارات قد تكون صادمة ولكن ضرورية، وهو ما حصل في مواجهة الوباء وآثار الكثير من ردود الفعل السلبية، فمع محدودية المعدات والكفاءات الطبية لم يكن لدى الفريق الطبي متسع لمعالجة الجميع. ثم طرح سؤالا بأي معنى تفهم “الصحة حق للجميع”؟ هل تفهم بمعنى الرعاية الصحية الأساسية أو الرعاية الصحية الممكنة في سياق ما أو بمعنى أنه لا بد أن تتوفر للجميع فرصة العلاج في أحسن المؤسسات بأحدث التكنولوجيات وعلى أيدي أحسن الأطباء… لذا أكد على وجوب وضوح الوعد والعقد الاجتماعي.

بيّن السيد أيمن البوغانمي أنه  لا يمكن أن تفهم الرعاية الصحية على أنها حق مطلق، بل هي حق أساسي (والأرجح أن يكون حقا مجردا) ومرتبط بقدرة السياق الجماعي على توفيرها. وفي ما يخص موضوع التمويل بين أن الموارد تتأتى عموما من مصدرين: مصدر خاص إما دفوعات مباشرة للمؤسسات ولمسدي الخدمات أو بشكل غير مباشر منظومات التأمين الخاص ومصدر عمومي يقوم على الضرائب أو المساهمات.

ثم أضاف  أن  الثقافة التونسية تثمّن المنظومة العمومية التي لها ايجابيات عديدة  فهي أكثر إنسانية، وعدالة ومساواة في التعامل مع الفئات وتوزيعا للثروة ولكن من سلبياتها سرعة انزلاقها في الرتابة وعدم قدرتها على التأقلم والتطور والوقوع في البيروقراطية التي تفقد العمل الطبي والرعاية الصحية جزءا كبيرا من جدواها. وأكد أن الحق في الصحة لا ينبغي أن يكون فقط حقا دستوريا بل لا بد أن يكون حقا فعليا مستداما وهذا يتطلب اقتصادا قويا تستند إليه المنظومة الصحية. ولا بد أن تأخذ على محمل الجد مسألة التكلفة والتوقف على التعامل معها على أنها إجحاف مادي يتجاوز المنظومة الحقوقية والمقاربة الحقوقية، فهذه الأخيرة هي التي تدفع نحو التفكير في التمويل ونحو الإيمان بجدوى المقاربة الاقتصادية .

وفي ختام مداخلته أكد السيد أيمن البوغانمي أن الصحة تمثل الأولوية للعمل الاجتماعي يليها التعليم ولا بد أن تسند للدولة هذه المهام وأن تطالب بأن تكون  قادرة على إسداء هذه الخدمات على أكمل وجه.

السيد منير السعيداني، أستاذ في علم الاجتماع  وباحث بالجامعة التونسية:

“مكانة العدالة الصحية ومنزلتها في هذه الجائحة وكيف تجلت من خلال التجربة التونسية.”

بين السيد منير السعيداني أن  الاختلاف في النفاذ إلى العافية والصحة الجيدة  قد يتحول إلى تفاوت اجتماعي إذا كان نسقيا أي شاملا لفئات واسعة من المجتمع، أو إذا كان قابلا للتفادي، في معنى أنه يمكن أن يكون متجاوزا انطلاقا من سياسات صحية معينة (نفاذ أفراد المجتمع إلى العافية وإلى الصحة لا يجب أن يكون أساسا للتمييز بين البشر مثل لون البشرة الانتماء السياسي…).وأردف أن هذا التفاوت الصحي مبني على ظاهرة أخرى تتعلق بالعوز الاجتماعي. يكون العوز الاجتماعي في علاقة مباشرة بالتفاوت الصحي إذا تمثل في محدودية القدرة على المشاركة المجتمعية بشكل عام، أي في التمتع بالثروة بالازدهار الاجتماعي وبالانتماء الثقافي… وأضاف أن التفاوت العضوي يتحول إلى تفاوت اجتماعي إذا ما تسبب في العجز عن النفاذ إلى الصحة، وذلك ما يدل على أن قضايا الصحة وعدالتها المجتمعية قضايا معقدة وتتطلب معارف خاصة و مقاربات محددة.

أضاف السيد منير السعيداني أن التفاوت الصحي في علاقته بالعوز الاجتماعي يقتضي تفكيرا في العدالة الصحية التي تستند على مجموعة من الحقوق: كالحق في الرعاية الصحية، في العمل، الضمان الاجتماعي، في الحياة العائلية، التعليم، المشاركة في الحياة الثقافية… بالنسبة للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان هي حقوق أساسية. وبيّن أنّ العدالة الصحية تفيد أن تكون لكل فرد/مواطن الفرصة المتساوية في الخدمات العلاجية ويستوجب ذلك إزالة العقبات التي تقف في وجه العافية من قبيل الفقر والتمييز وآثارهما… بما في ذلك عدم القدرة على النفاذ إلى الشغل اللائق بأجر منصف وإلى التعليم الجيد والإسكان الكريم والبيئات الآمنة والرعاية الصحية… ما يحيل إلى جملة من الإجراءات يجب إتباعها والتي لخّصها في  4 إجراءات كبرى:

  • إجراء تحقيقات دورية لتحديد التفاوتات الصحية.
  • وضع السياسات، إصدار التشريعات تركيز الأنظمة، وتنمية البيئات وتطوير الممارسات التي يمكن أن تقرّب مجتمعا ما إلى مستوى من العدالة الصحية أفضل مما كان عليه .
  • رصد الجهود والإجراءات طويلة المدى وتقويمها يجب أن تكون مبنية على منهجية في علاقة بالفئات الأكثر حرمانا .
  • العمل على رسم استراتيجيات على ضوء المسارات المقطوعة ومخرجاتها ومحاولة تحيين البيانات وتعديلها.

وأقر المتدخل أن هناك بحوثا في علم اجتماع الصحة وعلم اجتماع الجوائح توصي بأن يقع اعتماد مقاييس مضبوطة أكثر ما أمكن وحاولت رسم براديغم القدرة الصحية والذي يحتوي على جملة من المكونات يشترك فيه مؤسسات التأمين، الباحثون، الحكومات، مهنيو الصحة، المواطنون… ويجب الارتكاز على العمل على بناء من الوفاق الاجتماعي لتأسيس العدالة الصحية. وفي إجابته عن سؤال إلى أي مدى يمكن الحديث عن وعي في تونس بالعدالة الصحية؟ بين السيد منير أنّه خلال الشهرين الماضيين صدرت نصوص منشورة متنوعة فيها رسائل مفتوحة إلى رئاسة الحكومة، بيانات، إعلانات، نداءات، مبادرات، وبعض منها تحتوي على منحى علمي. وتتنوع مصادر هذه النصوص من باحثين وشخصيات سياسية، ائتلافات مدنية مثل ائتلاف الدفاع عن المرفق الصحي العمومي وهو يجمع 50 جمعية ، أيضا بيان  صدر عن 69 شبكة حقوقية ممتدة على 14 بلدا عربيا تجمع ما يقارب 200 منظمة وهناك بعض النصوص الأخرى  التي صدرت عن الاتحاد العام التونسي للشغل… كما أن هناك نداء صدر عن 68 شخصية وطنية من بينها 12 وزيرا سابقا وأكثر من 20 أستاذا في الطب والصيدلة ورؤساء منظمات الخ وكلها شكّلت متنا اشتغل عليه للوصول لـ 5 استنتاجات كبرى في شكل فرضيات:

  • لم يتبلور شعار مطلب العدالة الصحية بصفة حاسمة في تونس خلال الفترة المنقضية.
  • قربت الجائحة المزاج السياسي والاجتماعي والمعرفي العام من هذا الشعار .
  • كل ما اقترب الأفراد من وعي الخطاب السياسي تناقص شعار حضور مطلب العدالة الاجتماعية وكلما اقترب هؤلاء من وعي الخطاب المدني برزت مداخل ومقاربات أكثر صلة بشعار مطلب العدالة الاجتماعية .
  • كلما كان التناول العلمي منغلقا على الاختصاصات الطبية وغير مراع للجوانب الحقوقية والاجتماعية والإتيقية كان هناك ابتعاد عن ظهور شعار مطلب العدالة الاجتماعية وتبلوره.
  • في مستوى العدالة الصحية هناك حاجة كبرى إلى تطوير أدوات تفكير وتدبر وتصور وإجراء قضايا تتعلق أكثر بالعدالة الصحية .

 

:مداخلة السيد منير كشو أستاذ فلسفة وباحث  بالجامعة التونسية

“الحق والحقوق، الرهانات الإيتيقية والفلسفية في علاقة بجائحة كورونا والمجتمع التونسي تحديدا”

أقر السيد منير كشو في مداخلته بضرورة تعريب العلوم الصحيحة لتقريبها للمواطن ومنها العلوم الطبية. وطرح أيضا بعض الأسئلة حول مدى جاهزية المخابر في ما يتعلق بالبحث والتنمية داخل شركات صناعة الأدوية بتونس، ومدى تطور البحث العلمي في مجال البحث والتطوير في الأمراض والأوبئة في تونس وما هو إسهام الجامعات (على غرار معهد باستور) من كليات طب وصيدلة في هذا المجال… ثم أقر بوجود  مشكل يعترض اليوم المسائل ذات صلة بالأخلاق الطبية والبيو ايتيقيا في تونس، وقدم مثالا على ذلك لجنة الأخلاق الطبية والبيو-ايتيقيا والتي تضم أطبّاء وخبراء في مجال البحث في الصحّة وفي مجال الطب ولكنها تفتقد لخبراء من اختصاصات أخرى، مبينا أنّه حتى القضايا المتعلقة بالطب تكمن وراءها رهانات ايتيقية وفلسفية واجتماعية واقتصادية لا يمكن أن يتصدى لها أهل الاختصاص في الطب فقط  .

ثم تطرق لمسألة قلة الموارد المالية والتي تجعل من الإطار الطبي مضطرا للتحكيم أحيانا بين حالة وأخرى. وبين أنّه بالنسبة للفلسفة هناك توجّهان في ما يخص هذا الموضوع،  توجه نفعي “الفلسفة النفعية” (الشباب على حساب المسنين) أي لا يجب التوانى في التضحية بالأقلية من أجل الأغلبية. وتوجه ثان مناقض للسابق وهي نظرية الحقوق والتي تقوم على مبدأ عام أن الحقوق تتأصل في حق أساسي أول وهو الحق في المساواة في الاعتبار مهما كان السن والاختلاف الطبقي… لكل إنسان الحق في الكرامة والحق في المعاملة سواء للغير وهو أمر أساسي وجوهري ولا يجب المساس به. ثم أردف السيد منير كشو أن تونس والعديد من البلدان النامية تمكنت من تحقيق ما يسمى “بالفرار الكبير” فرار من الجوع من الموت، من الفقر… وهو أمر بالغ الأهمية إذ أن هناك تشكيك في ما تقدم من إنسانية وأن الحداثة مثلت كارثة على البشر في حين أن هناك تطورات جد  مهمة حدثت، كارتفاع الأمل في الحياة في تونس وفي البلدان المشابهة لها، تراجع نسب وفايات الأطفال في العالم. وبفضل الاختيارات الحكيمة تمكنت تونس منذ بداية الستينات من الانضمام لهذه الحركة الكبيرة التي عرفها العالم وهو ما أسماه ديتون “بالفرار الكبير” .

وأضاف في ما يخص مسألة الحقوق أنّ هناك ما يسمى بالحقوق المجردة، والحق في هذه الحالة ما تضمنه المعاهدات الدولية ويضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولكن التكريس الفعلي يكون من خلال القوانين الوطنية والمؤسسات والإجراءات لتطبيق هذا الحق المجرد حتى ينتقل من حق مجرد إلى حق فعلي وإلى حق مؤسساتي. وبيّن أنه يمكن للدولة أن تضمن هذه الحقوق كحق النفاذ إلى العلاج، إلا أن المشكل المطروح هو أن هذا الحق لا يضمن جودة العلاج وفعاليته لذلك فإن الدولة مدعوة لدعم المنظومة الصحية العمومية وأن تجعل الصحة العامة للمواطنين تمر بالمنظومة الصحية العمومية ومع ذلك يبقى مشكل فاعلية الإنفاق العمومي والتحكم في الموارد… فالدولة لها إمكانيات محدودة جدا علاوة على ضعف المراقبة والتكاليف العالية… لذا لا بد من الحفاظ على القطاع الخاص لأنه أكثر فاعلية في هذا المجال ودعمه مع أن يتكفل بمسؤوليته تجاه المجتمع والدولة.

وفي ختام مداخلته أكد السيد منير كشو أن على الدولة أن تحمي حق المواطن في العلاج وتوفر إمكانيات لمساعدة المعوزين شرط أن تكون هذه المساعدة من أجل إدماجهم من جديد وتوفير مواطن شغل والتخلص من عقلية التواكل والريع .

في الختام فتح السيد مهدي مبروك بابا للنقاش بين المشاركين وطرح عليهم الأسئلة الواردة عبر موقع التواصل الاجتماعي من قبل المشاهدين. ثم شكر الجميع على المتابعة والتفاعل.