تقرير حول مجلس: الشعر والهوية: عروبة الجنان وعروبة اللسان في شعر المتنبي””

6

انعقد يوم الجمعة 24 /01/ 2020 بالمركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات.تونس اللقاء الأول من مجالس : الشعر والشعرية في الآداب والفنون الذي استضاف فيه الأستاذ مبروك المناعي، و أدار اللقاء السيد محمد الكيلاني (إعلامي).
افتتح مدير المركز الأستاذ مهدي مبروك الأمسية مبينا أهمية انعقاد هذه المجالس لتّعرف أكثر على الأدب و الفن و الشعر، و أنّ هذا اللقاء سيكون في شكل سلسلة شهرية تنتظم طوال هذا الموسم ثم أعطى الكلمة للسيد محمد الكيلاني         و  الذي قام بشكر المركز على هذه المبادرة و هنئ السيد مبروك المناعي لاختياره هذه المسؤولية مؤكدا على أن الأدب و الفن ركيزة ثقافة الشعوب.
إثر ذلك تولى الأستاذ مبروك المناعي الحديث، فشكر بدوره المركز لتشجيعه لهذه المبادرة و لتخصيصه لقاءات شهرية لهذا الموضوع لتناول شأن من شؤون الشعر بالمعنى العام للكلمة. و أشار أنه عند التحدث عن الشعر فأول ما يبادر أهل الأدب هو المبادئ الجمالية المتحكمة في انتاج الخطاب الشعري و في تقويم جودته و خصوصياته الإبداعية. و الشعرية و هي مسائل تدرس مبادئ الجمالية أو “الخطاطة الفنية” الظاهر في عدد كبير من المجالات منها مجال الرسم، الكتابة: سردياتها            و  شعرياتها، مجالات تهيئة الفضاء، مجالات الفن المعماري… فالشعر يمثل مجالا من مجالات الشعرية. و أضاف أن هذا اللقاء الأول سيكون حول موضوع:” عروبة الجنان و عروبة اللسان، بحث في الهوية و الثقافة العربية من خلال شعر المتنبي”.
تطرق الأستاذ مبروك المناعي إلى مصطلح الهوية مبينا أنه من المصطلحات التي كثر تناولها مما تسبب في غموضها           و التباسها. و أشار أن الهوية هنا تعني في اللغة العربية القديمة البئر العميقة و المهوى و الأصل البعيد الغائر في ماضي الذات الفردية و الجماعية و الذي يكيف الذات في الحاضر. و أشار ا أنه للمزيد التعمق في معنى الهوية يمكن الإطلاع على كتاب أمين معروف ” الهويات القاتلة”.
بين السيد مبروك المناعي أن مفهوم الهوية بالمعنى المعياري (نسبيا) وليد عصر النهضة ( و حتى القرن العشرين تحديدا). فبالرغم من أن الوعي بالهوية من حيث تمثلاتها في الثقافة العربية قديم لكن مفهوم الهوية هو وليد القرن العشرين، قرين الوعي الوطني و القومي و ازدهار الفكر الوطني المتصل بالاستعمار و احتلال فلسطين.
أما المحتوى الثقافي و العرقي للهوية فقد برزت بعض مكوناته عند العرب في إطار تاريخي (خصوصا في القرن الثاني هجري و الثامن ميلادي) تمثل في ظاهرة الشعوبية، صراع العرب و العجم، و الذي ظهر بشكل كبير في الشعر و كان له تأثير حاسم على مستوى معانيه و مبادئه. مثّله بالخصوص بشار بن برد حيث كان موقفه “موقفة مخالفة” أما  مهيار الديلمي فكان موقفه “موقف ملاطفة” في حين كان موقف أبى نواس “موقف مآلفة”. فيما بعد ساهمت عدة تجارب شعرية أخرى في تكوين الوعي بالهوية مثل تجربة نزار القباني خاصة في قصيدته “أحزان الأندلس” و تجربة محمود درويش خاصة في قصيدته “بطاقة هوية” و تجربة مضفر النواب خاصة في مدونته “وتريات ليلية”.
ثم أكّد السيد مبروك المناعي أن الخلفية النظرية التي يستند إليها هذا الموضوع و يتخدها بمثابة فرضية للبحث أن الشعر من أهم مقومات الهوية في العموم و الهوية العربية في الخصوص، ذلك لأهمية الشعر و الفن اللفظي في الثقافة العربية منذ القدم إذ أن لديه ديناميات نفسية عند العرب منذ ما قبل الإسلام بكثير. و أشار أن اختيار الشعر و الهوية في مدونة المتنبي يبينه أمران أولا: إلحاح هذا الشاعر نظريا و عمليا على عروبة شعره في بعديه القيمي و الفني ثم موقعه التاريخي في القرن الرابع هجري و قيمته الفنية. ثانيا: حداثته بالنسبة لعصرنا اليوم و اتصال حاجتنا به و إلى المنحى الذي إنتهجه في التعبير عن هذه المسألة و استشرافه لما كان العرب مقبلين عليه. لذا فإن دراسة العروبة في شعر المتنبي ببعديها العرقي و الثقافي، الفكري و الفني في سياق المعايير المعرفية السائدة في عصر الشاعر لها أهمية كبيرة. بالنسبة للمتنبي ترتبط فكرة الاسلام بفكرة العروبة في شعره ارتباطا وثيقا ( في مستوى الاختيار الفكري و السياسي على حد السوى). كما برز في شعره تخوف كبير من تراجع دور العرب السياسي في عصره و استشرافه للخطر المحدق بالعرب في المستقبل.
في نهاية الجلسة أشار السيد محمد الكيلاني بأنه كان للمتنبي قدرة فريدة في معرفة نوايا الحكام و نظرة ثاقبة في استشراف المستقبل لذا فإن هذا الموضوع يعتبر في غاية من الأهمية، إلاّ أنه حذّر من عواقب بعض الإسقاطات السياسية          و الإيديولوجية في قراءة شعر المتنبي (التفكير القومي الحديث). ثم فتح باب للنقاش و للإجابة عن التساؤلات المطروحة من قبل الحاضرين. و اختتم السيد محمد الكيلاني اللقاء شاكرا الحضور على تفاعلهم.